تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
مصدقا لما تقدمه من الكتب - غير مخالف لها ولا مناقض ، وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات ، والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي ، لمن آمن به ، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك ، كفر باللّه وآياته ، وعداوة للّه ولرسله وملائكته ، فإن عداوتهم لجبريل ، لا لذاته ، بل لما ينزل به من عند اللّه من الحق ، على رسل اللّه . فيتضمن الكفر والعداوة ، للذي أنزله وأرسله ، والذي أرسل به ، والذي أرسل إليه ، فهذا وجه ذلك . [ 99 ] يقول لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ
تحصل بها الهداية لمن استهدى ، وإقامة الحجة على من عاند ، وهي في الوضوح والدلالة على الحق ، قد بلغت مبلغا عظيما ، ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر اللّه ، وخرج عن طاعة اللّه ، واستكبر غاية التكبر ، وهذا فيه التعجب من كثرة معاهداتهم ، وعدم صبرهم على الولاء بها . [ 100 ]
أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 100 ) ف
كُلَّما
تفيد التكرار ، فكلما وجد العهد ترتب عليه النقض . ما السبب في ذلك ؟ السبب أن أكثرهم لا يؤمنون ، فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض العهود ، ولو صدق إيمانهم ، لكانوا مثل من قال اللّه فيهم :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
. [ 101 ]
وَلَمَّا جاءَهُمْ
، أي : ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم ، وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم ، فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به .
نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ
، الذي أنزل إليهم ، أي : طرحوه رغبة عنه
وَراءَ ظُهُورِهِمْ
، وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين ، وهم يعلمون صدقه ، وحقيقة ما جاء به . تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبق في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول ، فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون . ولما كان من العوائد القدسية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه ، وأمكنه الانتفاع به ولم ينتفع ، ابتلي بالاشتغال بما يضره ، فمن ترك عبادة الرحمن ، ابتلي بعبادة الأوثان ، ومن ترك محبة اللّه وخوفه ورجاءه ، ابتلي بمحبة غير اللّه وخوفه ورجائه ، ومن لم ينفق ماله في طاعة اللّه ، أنفقه في طاعة الشيطان ، ومن ترك الذل لربه ، ابتلي بالذل للعبيد ، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل . كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب اللّه اتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر ، وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله ، وبه حصل له الملك العظيم . وهم كذبة في ذلك فلم يستعمله سليمان ، بل نزّهه الصادق في قوله : [ 102 ]
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ
، أي : بتعلم السحر ، فلم يتعلمه ،
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا
في ذلك .
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم ، وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق ، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من اللّه لعباده فيعلمانهم السحر .
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى
ينصحاه ، و
يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
، أي : لا تتعلم السحر فإنه كفر ، فينهيانه عن