تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 607

مساهمون:

ص٦٠٧
فقال :
نَحْنُ نَرْزُقُكَ
أي : رزقك علينا ، قد تكفلنا به ، كما تكفلنا بأرزاق الخلائق ، كلهم ، فكيف بمن قام بأمرنا ، واشتغل بذكرنا ؟ ورزق اللّه عام للمتقي وغيره . فينبغي الاهتمام ، بما يجلب السعادة الأبدية ، وهو : التقوى ، ولهذا قال :
وَالْعاقِبَةُ
في الدنيا والآخرة
لِلتَّقْوى
التي هي فعل المأمور وترك المنهي . فمن قام بها ، كان له العاقبة ، كما قال تعالى :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ *
. [ 133 - 134 ] أي : قال المكذبون للرسول صلّى اللّه عليه وسلم : هلا يأتينا بآية من ربه ؟ يعنون آيات الاقتراح كقولهم :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا
. وهذا تعنت منهم ، وعناد وظلم ، فإنهم ، هم والرسول ، بشر عبيد للّه ، فلا يليق منهم الاقتراح ، بحسب أهوائهم ، وإنّما الذي ينزلها ، ويختار منها ما يختار بحسب حكمته ، هو اللّه . ولما كان قولهم :
لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ
يقتضي أنه لم يأتهم بآية على صدقه ، ولا بينة على حقه ، وهذا كذب وافتراء ، فإنه أتى من المعجزات الباهرات ، والآيات القاهرات ، ما يحصل ببعضه ، المقصود . ولهذا قال :
أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ
إن كانوا صادقين في قولهم ، وأنهم يطلبون الحق بدليله .
بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى
أي : هذا القرآن العظيم ، المصدق لما في الصحف الأولى ، من التوراة والإنجيل ، والكتب السابقة المطابق لها ، المخبر بما أخبرت به ، وتصديقه أيضا مذكور فيها ، ومبشر بالرسول بها ، وهذا كقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
، فالآيات تنفع المؤمنين ، ويزداد بها إيمانهم وإيقانهم ، وأما المعرضون عنها المعارضون لها ، فلا يؤمنون بها ، ولا ينتفعون بها ،
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
( 97 ) ، وإنّما الفائدة في سوقها إليهم ومخاطبتهم بها ، لتقوم عليهم حجة اللّه ، ولئلا يقولوا حين ينزل بهم العذاب :
لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى
بالعقوبة ، فها قد جاءكم رسولي ومعه آياتي وبراهيني ، فإن كنتم كما تقولون ، فصدقوه . [ 135 ] قل يا محمد مخاطبا للمكذبين لك الّذين يقولون تربصوا به ريب المنون
قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ
فتربصوا بي الموت ، وأنا أتربص بكم العذاب
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ
أي : الظفر أو الشهادة
وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا
.
فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ
أي المستقيم .
وَمَنِ اهْتَدى
بسلوكه ، أنا أم أنتم ؟ فإن صاحبه ، هو الفائز الراشد ، الناجي المفلح ، ومن حاد عنه فهو خاسر خائب معذب . وقد علم أن الرسول هو الذي بهذه الحالة ، وأعداؤه ، بخلافه ، واللّه أعلم . تم تفسير سورة طه وللّه الحمد .

تفسير سورة الأنبياء

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] هذا تعجب من حالة الناس ، وأنهم لا ينجع فيهم تذكير ، ولا يرعون إلى نذير ، وأنهم قد قرب حسابهم ، ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة ، والحال أنهم في غفلة معرضون أي : غفلة عما خلقوا له ، وإعراض عما زجروا به . كأنهم للدنيا خلقوا ، وللتمتع بها ولدوا ، وأن اللّه تعالى لا يزال يجدد لهم التذكير والوعظ ، ولا يزالون في غفلتهم
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 607 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي