تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
إن كان عنده سؤال ، ولا يبادر بالسؤال ، وقطع كلام ملقي العلم فإنه سبب للحرمان ، وكذلك المسؤول ، ينبغي له أن يستملي سؤال السائل ، ويعرف المقصود فيه قبل الجواب ، فإن ذلك سبب لإصابة الصواب . [ 115 ] أي : ولقد وصّينا آدم ، وأمرناه ، وعهدنا إليه عهدا ليقوم به ، فالتزمه ، وأذعن له ، وانقاد ، وعزم على القيام به ومع ذلك ، نسي ما أمر به ، وانتقضت عزيمته المحكمة ، فجرى عليه ما جرى ، فصار عبرة لذريته ، وصارت طبائعهم مثل طبيعة آدم ، نسي فنسيت ذريته ، وخطئ فخطئوا ، ولم يثبت على العزم المؤكد ، وهم كذلك ، وبادر بالتوبة من خطيئته ، وأقرّ بها واعترف ، فغفرت له ، ومن يشابه أباه فما ظلم . [ 116 - 117 ] ثمّ ذكر تفصيل ما أجمله فقال :
وَإِذْ قُلْنا
إلى
فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
. أي : لما أكمل خلق آدم بيده ، وعلمه الأسماء ، وفضله ، وكرمه ، أمر الملائكة بالسجود له ، إكراما ، وتعظيما ، وإجلالا ، فبادروا بالسجود ممتثلين ، وكان بينهم إبليس ، فاستكبر عن أمر ربه ، وامتنع من السجود لآدم وقال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
فتبينت حينئذ ، عداوته البليغة لآدم وزوجه ، لما كان عدو اللّه ، وظهر من حسده ، ما كان سبب العداوة ، فحذر اللّه آدم وزوجه منه ، وقال :
فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى
إذا أخرجت منها ، فإن لك فيها الرزق الهني والراحة التامة . [ 118 - 122 ]
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
( 119 ) أي : تصيبك الشمس بحرها ، فضمن له ، استمرار الطعام والشراب ، والكسوة ، والماء ، وعدم التعب والنصب . ولكنه نهاه عن أكل شجرة معينة فقال :
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ *
، فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ، ويزين أكل الشجرة ، ويقول :
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ
أي : التي من أكل منها خلّد في الجنة .
وَمُلْكٍ لا يَبْلى
أي : لا ينقطع ، إذا أكلت منها ، فأتاه بصورة ناصح ، وتلطف له في الكلام ، فاغتر به آدم ، فأكلا من الشجرة فسقط في أيديهما ، وسقطت كسوتهما ، واتضحت معصيتهما ، وبدا لكل منهما سوأة الآخر ، بعد أن كانا مستورين ، وجعلا يخصفان على أنفسهما من ورق أشجار الجنة ، ليستترا بذلك ، وأصابهما من الخجل ، ما اللّه به عليم .
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
فبادرا إلى التوبة والإنابة ، وقالا :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
، فاجتباه ربه ، واختاره ، ويسر له التوبة
فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
فكان بعد التوبة ، أحسن منه قبلها ، ورجع كيد العدو عليه ، وبطل مكره ، فتمت النعمة عليه ، وعلى ذريته ، ووجب عليهم القيام بها ، والاعتراف ، وأن يكونوا على حذر من هذا العدو المرابط الملازم لهم ، ليلا ونهارا
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
أي : ينزع عنهما لباسهما ، ليريهما سوءاتهما ،
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
. [ 123 ] يخبر تعالى ، أنه أمر آدم وإبليس أن يهبطا إلى الأرض ، وأن يتخذ آدم وبنوه الشيطان عدوا لهم ، فيأخذوا الحذر منه ، ويعدّوا له عدّته ويحاربوه ، وأنه سينزل عليهم كتبا ، ويرسل إليهم رسلا يبينون لهم الطريق المستقيم
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 604 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي