تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
الموصلة إليه وإلى جنته ، ويحذرونهم من هذا العدو المبين ، وأنهم أي وقت جاءهم ذلك الهدى ، الذي هو : الكتب والرسل ، فإن من اتبعه ، اتبع ما أمر به ، واجتنب ما نهى عنه ، فإنه لا يضل في الدنيا ، ولا في الآخرة ، ولا يشقى فيهما ، بل قد هدي إلى صراط مستقيم ، في الدنيا والآخرة ، وله السعادة والأمن في الآخرة . وقد نفى عنه الخوف والحزن في آية أخرى بقوله :
فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
. واتباع الهدى ، بتصديق الخبر ، وعدم معارضته بالشبه ، وامتثال الأمر بأن لا يعارضه بشهوة . [ 124 ]
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
أي : كتابي الذي يتذكر به جميع المطالب العالية ، وأن يتركه على وجه الإعراض عنه ، أو ما هو أعظم من ذلك ، بأن يكون على وجه الإنكار له ، والكفر به
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
أي : فإن جزاءه ، أن نجعل معيشته ضيقة مشقة ، ولا يكون ذلك إلا عذابا . وفسرت المعيشة الضنك ، بعذاب القبر ، وأنه يضيق عليه قبره ، ويحصر فيه ، ويعذب ، جزاء لإعراضه عن ذكر ربه ، وهذه إحدى الآيات الدالة على عذاب القبر . والثانية قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ
الآية . والثالثة قوله :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ
. والرابعة قوله عن آل فرعون
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
الآية . والذي أوجب لمن فسرها بعذاب القبر فقط من السلف ، وقصرها على ذلك - واللّه أعلم - آخر الآية ، وأن اللّه ذكر في آخرها عذاب يوم القيامة . وبعض المفسرين ، يرى أن المعيشة الضنك ، عامة في دار الدنيا ، بما يصيب المعرض عن ذكر ربه ، من الهموم ، والغموم ، والآلام ، التي هي عذاب معجل ، وفي دار البرزخ ، وفي الدار الآخرة ، لإطلاق المعيشة الضنك ، وعدم تقييدها .
وَنَحْشُرُهُ
أي : هذا المعرض عن ذكر ربه
يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
البصر على الصحيح ، كما قال تعالى :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا
. [ 125 ] قال على وجه الذل ، والمراجعة ، والتألم ، والضجر من هذه الحالة
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ
في دار الدنيا
بَصِيراً
فما الذي صيرني إلى هذه الحالة البشعة . [ 126 ]
قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها
بإعراضك عنها
وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
أي : تترك في العذاب . فأجيب ، بأن هذا هو عين عملك ، والجزاء ، من جنس العمل ، فكما عميت عن ذكر ربك ، وغشيت عنه ، ونسيته ، ونسيت حظك منه ، أعمى اللّه بصرك في الآخرة ، فحشرت إلى النار أعمى ، أصم ، أبكم ، وأعرض عنك ، ونسيك في العذاب . [ 127 ]
وَكَذلِكَ
أي : هذا الجزاء
نَجْزِي
ه
مَنْ أَسْرَفَ
بأن تعدى الحدود ، وارتكب المحارم وجاوز ما أذن له
وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ
الدالة على جميع مطالب الإيمان دلالة واضحة صريحة ، فاللّه لم يظلمه ولم يضع العقوبة في غير محلها وإنّما السبب إسرافه وعدم إيمانه .
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ
من عذاب الدنيا أضعافا مضاعفة
وَأَبْقى
، لكونه لا ينقطع ، بخلاف عذاب الدنيا فإنه منقطع ، فالواجب ، الخوف والحذر من عذاب الآخرة . [ 128 ] أي : أفلم يهد لهؤلاء المكذبين المعرضين ، ويدلهم على سلوك طريق الرشاد ، وتجنب طريق الغي والفساد ، ما أحل اللّه بالمكذبين قبلهم ، من القرون الخالية ، والأمم المتتابعة ، الّذين يعرفون قصصهم ، ويتناقلون أسمارهم ، وينظرون بأعينهم ، مساكنهم من بعدهم ، كقوم هود ، وصالح ، ولوط وغيرهم ، وأنهم لما كذبوا رسلنا ، وأعرضوا عن كتبنا ، أصبناهم بالعذاب الأليم ؟ فما الذي يؤمن هؤلاء ، أن يحل بهم ، ما حل بأولئك ؟
أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ
( 44 ) ، لا شيء من هذا كله فليس هؤلاء الكفار ، خيرا من أولئك ، حتى يدفع عنهم العذاب بخيرهم ، بل هم شر منهم ، لأنهم كفروا بأشرف الرسل ، وخير الكتب ، وليس لهم براءة مزبورة ، وعهد عند اللّه ، وليسوا كما يقولون ، أن جمعهم ينفعهم ، ويدفع عنهم ، بل هم أذل وأحقر من ذلك . فإهلاك القرون الماضية بذنوبهم ، من أسباب الهداية ، لكونها من الآيات الدالة على صحة رسالة الرسل ،