تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
وإعراضهم . [ 2 ] ولهذا قال :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
يذكرهم ما ينفعهم ، ويحثهم عليه وما يضرهم ، ويرهبهم منه
إِلَّا اسْتَمَعُوهُ
سماعا ، تقوم عليهم به الحجة .
وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ
، أي : قلوبهم غافلة معرضة بمطالبها الدنيوية وأبدانهم لاعبة ، قد اشتغلوا بتناول الشهوات ، والعمل بالباطل ، والأقوال الردية ، مع أن الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة ، تقبل قلوبهم على أمر اللّه ونهيه ، وتستمعه استماعا ، تفقه المراد منه ، وتسعى جوارحهم ، في عبادة ربهم ، التي خلقوا لأجلها ، ويجعلون القيامة والحساب ، والجزاء منهم على بال ، فبذلك يتم لهم أمرهم وتستقيم أحوالهم ، وتزكوا أعمالهم . وفي معنى قوله :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ
قولان : أحدهما : أن هذه الأمة ، هي آخر الأمم ، ورسولها ، آخر الرسل ، وعلى أمته تقوم الساعة ، فقد قرب الحساب منها ، بالنسبة لما قبلها ، من الأمم ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « بعثت أنا والساعة كهاتين ، وقرن بين إصبعيه ، السبابة والتي تليها » . والقول الثاني : أن المراد بقرب الحساب الموت ، وأن من مات ، قامت قيامته ، ودخل في دار الجزاء على الأعمال ، وأن هذا تعجب من كل غافل معرض ، لا يدري متى يفاجئه الموت ، صباحا أو مساء ، فهذه حالة الناس كلهم إلا من أدركته العناية الربانية ، فاستعد للموت وما بعده . [ 3 ] ثمّ ذكر ما يتناجى به الكافرون الظالمون ، على وجه العناد ، ومقابلة الحق بالباطل ، وأنهم تناجوا ، وتواطئوا فيما بينهم ، أن يقولوا في الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، إنه بشر مثلكم ، فما الذي فضله عليكم ، وخصه من بينكم ، فلو ادعى أحد منكم مثل دعواه ، لكان قوله من جنس قوله ، ولكنه يريد أن يتفضل عليكم ، ويرأس فيكم ، فلا تطيعوه ، ولا تصدقوه ، وأنه ساحر ، وما جاء به من القرآن ، سحر ، فانفروا عنه ، ونفروا الناس ، وقولوا :
أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
هذا ، وهم يعلمون أنه رسول اللّه حقا بما يشاهدون من الآيات الباهرة ، ما لم يشاهده غيرهم ، ولكن حملهم على ذلك ، الشقاء والظلم والعناد . واللّه تعالى قد أحاط علما بما تناجوا به ، وسيجازيهم عليه . [ 4 ] ولهذا قال :
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ
الخفي والجلي
فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
أي : في جميع ما احتوت عليه أقطارهما
وَهُوَ السَّمِيعُ
لسائر الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات
الْعَلِيمُ
بما في الضمائر ، وأكنته السرائر . [ 5 ] يذكر تعالى ائتفاك المكذبين بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وبما جاء به من القرآن العظيم ، وأنهم تقوّلوا فيه ، وقالوا فيه الأقاويل الباطلة المختلفة ، فتارة يقولون :
أَضْغاثُ أَحْلامٍ
بمنزلة كلام النائم الهاذي ، الذي لا يحس بما يقول ، وتارة يقولون :
افْتَراهُ
واختلقه وتقوّله من عند نفسه ، وتارة يقولون : إنه شاعر وما جاء به شعر . وكل من له أدنى معرفة بالواقع ، من حالة الرسول ، ونظر في هذا الذي جاء به ، جزم جزما لا يقبل الشك . أنه أجل الكلام وأعلاه ، وأنه من عند اللّه ، وأن أحدا من البشر ، لا يقدر على الإتيان بمثل بعضه ، كما تحدى اللّه أعداءه بذلك ، ليعارضوه مع توفر دواعيهم لمعارضته ، وعداوته ، فلم يقدروا على شيء من معارضته ، وهم يعلمون ذلك ، وإلا ،