تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
كان سببها خاصا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين من أهل الذكر ، وهم أهل العلم ، فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين ، أصوله وفروعه ، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها ، أن يسأل من يعلمها . ففيه الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم ، ولم يؤمر بسؤالهم ، إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه . وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم ، نهي عن سؤال المعروف بالجهل ، وعدم العلم ، ونهي له أن يتصدى لذلك ، وفي هذه الآية ، دليل على أن النساء ليس منهن نبية ، لا مريم ولا غيرها ، لقوله :
إِلَّا رِجالًا
. [ 10 ] أي : لقد أنزلنا إليكم - أيها المرسل إليهم ، محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب - كتابا جليلا ، وقرآنا مبينا
فِيهِ ذِكْرُكُمْ
أي : شرفكم وفخركم ، وارتفاعكم ، إن تذكرتم به ، ما فيه من الأخبار الصادقة ، فاعتقدتموها ، وامتثلتم ما فيه من الأوامر ، واجتنبتم ما فيه من النواهي ، وارتفع قدركم ، وعظم أمركم .
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
ما ينفعكم وما يضركم ؟ كيف لا تعملون على ما فيه ذكركم ، وشرفكم في الدنيا والآخرة ، فلو كان لكم عقل ، لسلكتم ، هذا السبيل . فلما لم تسلكوه ، وسلكتم غيره ، من الطرق ، التي فيها ضعتكم وخسّتكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما ، علم أنه ليس لكم معقول صحيح ، ولا رأي رجيح . وهذه الآية ، مصداقها ما وقع . فإن المؤمنين بالرسول ، والّذين تذكروا بالقرآن ، من الصحابة ، فمن بعدهم ، حصل لهم من الرفعة والعلو الباهر ، والصيت العظيم ، والشرف على الملوك ، ما هو أمر معلوم لكل أحد . كما أنه معلوم ما حصل ، لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسا ، ولم يهتد ، ولم يتزكّ به ، من المقت والضعة ، والتدسية ، والشقاوة ، فلا سبيل إلى سعادة الدنيا والآخرة ، إلا بالتذكر بهذا الكتاب . [ 11 - 12 ] يقول تعالى - محذرا لهؤلاء الظالمين ، المكذبين للرسول ، بما فعل بالأمم المكذبة لغيره من الرسل -
وَكَمْ قَصَمْنا
أي : أهلكنا بعذاب مستأصل
مِنْ قَرْيَةٍ
تلفت عن آخرها
وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ
وأن هؤلاء المهلكين ، لما أحسوا بعذاب اللّه وعقابه ، وباشرهم نزوله ، لم يمكن لهم الرجوع ولا طريق لهم إلى النزوع ، وإنّما ضربوا الأرض بأرجلهم ، ندما ، وقلقا ، وتحسروا على ما فعلوا . [ 13 ] فقيل لهم على وجه التهكم بهم :
لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ
( 13 ) أي : لا يفيدكم الركض والندم ، ولكن إن كان لكم اقتدار ، فارجعوا إلى ما أترفتم فيه ، من اللذات ، والمشتهيات ، ومساكنكم المزخرفات ، ودنياكم التي غرتكم وألهتكم ، حتى جاءكم أمر اللّه . فكونوا فيها متمكنين ، وللذاتها جانين ، وفي منازلكم مطمئنين معظمين ، لعلكم أن تكونوا مقصودين في أموركم ، كما كنتم سابقا ، مسئولين من مطالب الدنيا ، كحالتكم الأولى ، وهيهات ، أين الوصول إلى هذا ؟ وقد فات الوقت ، وحل بهم العقاب والمقت ، وذهب عنهم عزهم ، وشرفهم ودنياهم ، وحضرهم ندمهم وتحسرهم ؟ [ 14 - 15 ] ولهذا
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 14 ) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ
أي : الدعاء بالويل والثبور ، والندم ، والإقرار على أنفسهم بالظلم وأن اللّه عادل فيما أحل بهم .
حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ
أي : بمنزلة النبات الذي قد حصد وأنيم ، قد خمدت منهم الحركات ، وسكنت منهم الأصوات ، فاحذروا - أيها المخاطبون - أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل ، فيحل بكم كما حل بأولئك . [ 16 ] يخبر تعالى أنه ما خلق السماوات والأرض عبثا ، ولا لعبا من غير فائدة بل خلقها بالحق وللحق ، ليستدل بها العباد على أنه الخالق العظيم ، المدبر الحكيم ، الرحمن الرحيم ، الذي له الكمال كله ، والحمد كله ، والعزة كلها ، الصادق في قيله ، الصادقة رسله ، فيما تخبر عنه ، وأن القادر على خلقهما مع سعتهما وعظمهما ، قادر على إعادة الأجساد بعد موتها ، ليجازي المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته . [ 17 ]
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
على الفرض والتقدير المحال
لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
أي : من عندنا
إِنْ كُنَّا
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 610 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي