تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩
فما الذي أقامهم ، وأقعدهم ؟ وأقض مضاجعهم ، وبلبل ألسنتهم إلا الحق الذي لا يقوم له شيء ؟ وإنّما يقولون هذه الأقوال فيه ، حيث لم يؤمنوا به ، تنفيرا عنه لمن لم يعرفه . وهو أكبر الآيات المستمرة ، الدالة على صحة ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وصدقه ، وهو كاف شاف . فمن طلب دليلا غيره ، أو اقترح آية من الآيات سواه ، فهو جاهل ظالم مشبه لهؤلاء المعاندين الّذين كذبوه ، وطلبوا من الآيات الاقتراحية ، ما هو أضر شيء عليهم ، وليس لهم فيها مصلحة لأنهم إن كان قصدهم معرفة الحق إذا تبين دليله ، فقد تبين دليله بدونها ، وإن كان قصدهم التعجيز وإقامة العذر لأنفسهم ، إن لم يأت بما طلبوا فإنهم بهذه الحالة - على فرض إتيان ما طلبوا من الآيات - لا يؤمنون قطعا ، فلو جاءتهم كل آية ، لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم . ولهذا قال اللّه عنهم :
فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
أي : كناقة صالح ، وعصا موسى ، ونحو ذلك . [ 6 ] قال اللّه :
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
أي : بهذه الآيات المقترحة ، وإنّما سنته تقتضي أن من طلبها ، ثمّ حصلت له لم يأمن أن يعاجله بالعقوبة . فالأولون ما آمنوا بها أفيؤمن هؤلاء بها ؟ ما الذي فضلهم على أولئك وما الخير الذي فيهم ، يقتضي الإيمان عند وجودها ؟ وهذا الاستفهام ، بمعنى النفي ، أي : لا يكون ذلك منهم أبدا . [ 7 - 9 ] هذا جواب لشبه المكذبين للرسول القائلين : هلّا كان ملكا ، لا يحتاج إلى طعام وشراب ، وتصرّف في الأسواق ؟ وهلّا كان خالدا ؟ فإذا لم يكن كذلك ، دل على أنه ليس برسول . وهذه الشبه ما زالت في قلوب المكذبين للرسل ، تشابهوا في الكفر ، فتشابهت أقوالهم ، فأجاب تعالى عن هذه الشبه لهؤلاء المكذبين للرسول ، المقرين بإثبات الرسل قبله ، ولو لم يكن إلا إبراهيم عليه السّلام ، الذي قد أقر بنبوته جميع الطوائف . والمشركون ، يزعمون أنهم على دينه وملته - بأن الرسل قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، كلهم من البشر ، الّذين يأكلون الطعام ، ويمشون في الأسواق ، وتطرأ عليهم العوارض البشرية ، من الموت وغيره ، وأن اللّه أرسلهم إلى قومهم وأممهم ، فصدقهم من صدقهم ، وكذبهم من كذبهم ، وأن اللّه صدقهم ما وعدهم به من النجاة ، والسعادة لهم ، ولأتباعهم ، وأهلك المسرفين المكذبين لهم . فما بال محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، تقام الشبه الباطلة على إنكار رسالته وهي موجودة في إخوانه المرسلين ، الّذين يقرّ بهم المكذبون لمحمد ؟ فهذا إلزام لهم ، في غاية الوضوح ، وأنهم إن أقروا برسول من البشر ، ولن يقروا برسول من غير البشر ، فإن شبههم باطلة ، قد أبطلوها بإقرارهم بفسادها ، وتناقضهم بها ، فلو قدر انتقالهم هذا إلى إنكار نبوة البشر رأسا ، وأنه لا يكون نبي إن لم يكن ملكا مخلّدا ، لا يأكل الطعام ، فقد أجاب اللّه عن هذه الشبهة بقوله :
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
. وأن البشر لا طاقة لهم بتلقي الوحي من الملائكة
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
( 95 ) ، فإن حصل معكم شك وعدم علم بحالة الرسل المتقدمين
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
من الكتب السالفة ، كأهل التوراة والإنجيل ، يخبروكم بما عندهم من العلم ، وأنهم كلهم بشر من جنس المرسل إليهم . وهذه الآية وإن
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 609 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي