تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
فذكرهم ملأ الخافقين ، والثناء عليهم ومحبتهم ، امتلأت بها القلوب ، وفاضت به الألسنة فصاروا قدوة للمقتدين ، وأئمة للمهتدين ، ولا تزال أذكارهم في سائر العصور ، متجددة ، وذلك فضل اللّه ، يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم . [ 51 ] أي : واذكر في هذا القرآن العظيم ، موسى بن عمران ، على وجه التبجيل له والتعظيم ، والتعريف بمقامه الكريم ، وأخلاقه الكاملة .
إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً
وقرئ بفتح اللام ، على معنى أن اللّه تعالى اختاره واستخلصه ، واصطفاه على العالمين . وقرئ بكسرها ، على معنى أنه كان مخلصا للّه تعالى ، في جميع أعماله ، وأقواله ، ونياته ، فوصفه بالإخلاص في جميع أحواله ، والمعنيان متلازمان ، فإن اللّه أخلصه ، لإخلاصه ، وإخلاصه ، موجب لاستخلاصه . وأجل حالة يوصف بها العبد ، الإخلاص منه ، والاستخلاص من ربه .
وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا
أي : جمع اللّه له بين الرسالة والنبوة ، فالرسالة تقتضي تبليغ كلام المرسل ، وتبليغ جميع ما جاء به من الشرع ، دقه وجله . والنبوة ، تقتضي إيحاء اللّه إليه وتخصيصه بإنزال الوحي إليه . فالنبوة بينه وبين ربه ، والرسالة ، بينه وبين الخلق ، بل خصه اللّه من أنواع الوحي ، بأجل أنواعه وأفضلها ، وهو : تكليمه تعالى وتقريبه مناجيا للّه تعالى ، وبهذا اختص من بين الأنبياء ، بأنه كليم الرحمن . [ 52 ] ولهذا قال :
وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ
أي : الأيمن من موسى في وقت مسيره ، أو الأيمن أي : الأبرك من « اليمن » والبركة . ويدل على هذا المعنى قوله تعالى :
أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها
.
وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا
والفرق بين النداء والنجاء ، أن النداء هو : الصوت الرفيع ، والنجاء ، ما دون ذلك . وفي هذا إثبات الكلام للّه تعالى وأنواعه ، من النداء ، والنجاء ، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، خلافا لمن أنكر ذلك ، من الجهمية ، والمعتزلة ، ومن نحا نحوهم . [ 53 ] وقوله :
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا
( 53 ) هذا من أكبر فضائل موسى وإحسانه ، ونصحه لأخيه هارون ، أنه سأل ربه أن يشركه في أمره ، وأن يجعله رسولا مثله ، فاستجاب اللّه له ذلك ، ووهب له من رحمته ، أخاه هارون نبيا . فنبوة هارون ، تابعة لنبوة موسى عليهما السّلام ، فساعده على أمره ، وأعانه عليه . [ 54 ]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا
( 54 ) أي : واذكر في القرآن الكريم ، هذا النبي العظيم ، الذي خرج منه الشعب العربي ، أفضل الشعوب وأجلها ، الّذين منهم سيد ولد آدم .
إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ
أي : لا يعد وعدا ، إلا وفى به ، وهذا شامل للوعد الذي يعقده مع اللّه أو مع العباد . ولهذا لما وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه له قال :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
وفّى بذلك ومكّن أباه من الذبح ، الذي هو أكبر مصيبة تصيب الإنسان ، ثم وصفه بالرسالة والنبوة ، التي هي أكبر منن اللّه على عبده ، وجعله من الطبقة العليا من الخلق . [ 55 ]
وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
أي : كان مقيما لأمر اللّه على أهله فيأمرهم بالصلاة المتضمنة للإخلاص للمعبود ، وبالزكاة المتضمنة للإحسان إلى العبيد ، فكمل نفسه ، وكمل غيره وخصوصا أخص الناس عنده وهم أهله لأنهم أحق بدعوته من غيرهم .
وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
وذلك بسبب امتثاله لمراضي ربه واجتهاده فيما يرضيه ، ارتضاه اللّه وجعله من خواص عباده وأوليائه المقربين ، فرضي اللّه عنه ، ورضي هو عن ربه . [ 56 ] أي : اذكر في الكتاب على وجه التعظيم والإجلال ، والوصف بصفات الكمال .
إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا
جمع اللّه له بين الصديقية ، الجامعة للتصديق التام ، والعلم الكامل ، واليقين الثابت ، والعمل الصالح ، وبين اصطفائه لوحيه ، واختياره لرسالته . [ 57 ]
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا
( 57 ) أي : رفع اللّه ذكره في العالمين ، ومنزلته بين المقربين ، فكان عالي الذكر ، عالي