تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
[ 58 ] لما ذكر هؤلاء الأنبياء المكرمين ، وخواص المرسلين ، وذكر فضائلهم ومراتبهم فقال :
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ
. أي : أنعم اللّه عليهم نعمة لا تلحق ، ومنّة لا تسبق ، من النبوة والرسالة . وهم الّذين أمرنا أن ندعو اللّه أن يهدينا صراط الّذين أنعم عليهم ، وأن من أطاع اللّه ، كان
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ
الآية . وأن بعضهم
مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ
أي : من ذريته
وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ
، فهذه خير بيوت العالم ، اصطفاهم اللّه ، واختارهم ، واجتباهم . وكان حالهم عند تلاوة آيات الرحمن عليهم ، المتضمنة للإخبار بالغيوب وصفات علام الغيوب ، والإخبار باليوم الآخر ، والوعد والوعيد .
خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
أي : خضعوا لآيات اللّه ، وخشعوا لها ، وأثرت في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة ، ما أوجب لهم بالبكاء والإنابة ، والسجود لربهم . ولم يكونوا من الّذين إذا سمعوا آيات اللّه خروا عليها صما وعميانا . وفي إضافة الآيات إلى اسمه
الرَّحْمنِ
دلالة على أن آياته ، من رحمته بعباده ، وإحسانه إليهم حيث هداهم بها إلى الحق ، وبصرهم من العمى ، وأنقذهم من الضلالة ، وعلمهم من الجهالة . [ 59 ] لما ذكر تعالى هؤلاء الأنبياء وهم المخلصون المتبعون لمراضي ربهم ، المنيبون إليه ، ذكر من أتى بعدهم ، وبدّلوا ما أمروا به ، وأنه خلف من بعدهم خلف ، رجعوا إلى الخلف والوراء ، فأضاعوا الصلاة ، التي أمروا بالمحافظة عليها وإقامتها ، فتهاونوا بها وضيعوها ، وإذا ضيعوا الصلاة التي هي عماد الدين ، وميزان الإيمان والإخلاص لرب العالمين ، التي هي آكد الأعمال ، وأفضل الخصال ، كانوا لما سواها من دينهم ، أضيع ، وله أرفض . والسبب الداعي لذلك ، أنهم اتبعوا شهوات أنفسهم وإرادتها فصارت هممهم منصرفة إليها ، مقدمة لها على حقوق اللّه . فنشأ من ذلك ، التضييع ، لحقوقه ، والإقبال على شهوات أنفسهم ، مهما لاحت لهم ، حصلوها ، وعلى أي وجه اتفقت ، تناولوها .
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
أي : عذابا مضاعفا شديدا . [ 60 ] ثم استثنى تعالى فقال :
إِلَّا مَنْ تابَ
عن الشرك والبدع والمعاصي ، فأقلع عنها وندم عليها ، وعزم عزما جازما أن لا يعاودها .
وَآمَنَ
باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .
وَعَمِلَ صالِحاً
وهو العمل الذي شرعه اللّه على ألسنة رسله ، إذا قصد به وجهه .
فَأُولئِكَ
الّذين جمعوا بين التوبة والإيمان ، والعمل الصالح .
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
المشتملة على النعيم المقيم ، والعيش السليم ، وجوار الرب الكريم .
وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً
من أعمالهم ، بل يجدونها كاملة موفرة أجورها ، مضاعفا عددها . [ 61 ] ثم ذكر أن الجنة التي وعدهم بدخولها ، ليست كسائر الجنات ، وإنما هي
جَنَّاتِ عَدْنٍ
أي : جنات إقامة ، لا ظعن فيها ، ولا حول ولا زوال ، وذلك لسعتها ، وكثرة ما فيها من الخيرات والسرور ، والبهجة والحبور .
الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ
أي : التي وعدها الرحمن ، أضافها إلى اسمه
الرَّحْمنُ
لأنها فيها من الرحمة . والإحسان ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وسماها تعالى رحمته فقال :
وَأَمَّا الَّذِينَ