تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
على أحسن نظام وأكمله ، ليس فيه غفلة ولا إهمال ، ولا سدى ، ولا باطل ، برهان قاطع على علمه الشامل ، فلا تشغل نفسك بذلك ، بل اشغلها بما ينفعك ، ويعود عليك طائله وهو : عبادته وحده ، لا شريك له .
وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ
أي : اصبر نفسك عليها ، وجاهدها ، وقم عليها أتم القيام وأكمله بحسب قدرتك . وفي الاشتغال بعبادة اللّه تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات ، كما قال تعالى :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
إلى أن قال :
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها
الآية .
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
أي : هل تعلم للّه مساميا ، ومشابها ، ومماثلا من المخلوقين . وهذا استفهام بمعنى النّفي ، المعلوم بالعقل . أي : لا تعلم له مساميا ولا مشابها ، لأنه الرب ، وغيره مربوب ، الخالق ، وغيره مخلوق ، الغني من جميع الوجوه ، وغيره فقير بالذات من كل وجه ، الكامل ، الذي من الكمال المطلق من جميع الوجوه ، وغيره ناقص ليس فيه من الكمال ، إلا ما أعطاه اللّه تعالى ، فهذا برهان قاطع على أن اللّه هو المستحق لإفراده بالعبودية ، وأن عبادته حق ، وعبادة ما سواه باطل ، فلهذا أمر بعبادته وحده ، والاصطبار عليها ، وعلل بكماله وانفراده ، بالعظمة ، والأسماء الحسنى . [ 66 ] المراد بالإنسان هاهنا ، كل منكر للبعث ، مستبعد لوقوعه . فيقول - مستفهما على وجه النفي والعناد والكفر -
أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا
. أي : كيف يعيدني اللّه حيا بعد الموت ، وبعد ما كنت رميما ؟ هذا لا يكون ولا يتصور ، وهذا بحسب عقله الفاسد ، ومقصده السيّئ ، وعناده لرسل اللّه وكتبه ، فلو نظر أدنى نظر ، وتأمل أدنى تأمل ، لرأى استبعاده للبعث ، في غاية السخافة . [ 67 ] ولهذا ذكر تعالى برهانا قاطعا ، ودليلا واضحا ، يعرفه كل أحد على إمكان البعث فقال :
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً
( 67 ) أي : أو لا يلفت نظره ، ويستذكر حالته الأولى ، وأن اللّه خلقه أول مرة ، ولم يك شيئا . فمن قدر على خلقه من العدم ، ولم يك شيئا مذكورا ، أليس بقادر على إنشائه بعد ما تمزق ، وجمعه بعد ما تفرق ؟ وهذا كقوله :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
. وفي قوله :
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ
دعوة للنظر ، بالدليل العقلي ، بألطف خطاب ، وأن إنكار من أنكر ذلك ، مبني على غفلة منه عن حاله الأولى . وإلا فلو تذكرها وأحضرها في ذهنه ، لم ينكر ذلك . [ 68 ] أقسم اللّه تعالى وهو أصدق القائلين - بربوبيته ، ليحشرن هؤلاء المنكرين للبعث ، هم وشياطينهم وليجمعنهم لميقات يوم معلوم .
ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
أي : جاثين على ركبهم من شدة الأهوال ، وكثرة الزلزال ، وفظاعة الأحوال ، منتظرين لحكم الكبير المتعال . [ 69 ] ولهذا ذكر حكمه فيهم فقال :
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا
( 69 ) أي : ثم لننزعن من كل طائفة وفرقة من الظالمين المشتركين في الظلم والكفر ، والعتوّ أشدهم عتوا ، وأعظمهم ظلما ، وأكبرهم كفرا فيقدمهم إلى العذاب ، ثم هكذا يقدم إلى العذاب ، الأغلظ إثما ، فالأغلظ ، وهم في تلك الحال متلاعنون ، يلعن
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 582 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي