تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
وحالت بينهم وبين الإيمان ، شهواتهم المنقضية الفانية ، فالدنيا وما فيها ، من أولها إلى آخرها ، ستذهب عن أهلها ، ويذهبون عنها ، وسيرث اللّه الأرض ومن عليها ، ويرجعهم إليه ، فيجازيهم بما عملوا فيها ، وما خسروا فيها أو ربحوا ، فمن عمل خيرا ، فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومنّ إلا نفسه . [ 41 ] أجل الكتب وأفضلها وأعلاها ، هذا الكتاب المبين ، والذكر الحكيم ، فإن ذكر فيه الأخبار ، كانت أصدق الأخبار ، وأحقها ، وأنفعها ، وإن ذكر فيه الأمر والنهي ، كانت أجل الأوامر والنواهي ، وأعدلها وأقسطها ، وإن ذكر فيه الجزاء ، والوعد والوعيد ، كان أصدق الأنباء وأحقها وأدلها على الحكمة ، والعدل والفضل ، وإن ذكر فيه الأنبياء والمرسلون ، كان المذكور فيه ، أكمل من غيره ، وأفضل ، ولهذا كثيرا ما يبدئ ويعيد في قصص الأنبياء ، الّذين فضلهم على غيرهم ، ورفع قدرهم ، وأعلى أمرهم ، بسبب ما قاموا به ، من عبادة اللّه ومحبته ، والإنابة إليه ، والقيام بحقوقه ، وحقوق العباد ، ودعوة الخلق إلى اللّه ، والصبر على ذلك ، والمقامات الفاخرة ، والمنازل العالية . فذكر اللّه في هذه السورة ، جملة من الأنبياء ، يأمر اللّه رسوله أن يذكرهم ، لأن في ذكرهم إظهار الثناء على اللّه وعليهم ، وبيان فضله وإحسانه إليهم ، وفيه الحث على الإيمان بهم ، ومحبتهم ، والاقتداء بهم ، فقال :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا
( 41 ) جمع اللّه له بين الصديقية والنبوة . فالصديق : كثير الصدق ، فهو الصادق في أقواله ، وأفعاله ، وأحواله المصدق بكل ما أمر بالتصديق به ، وذلك يستلزم العلم العظيم الواصل إلى القلب ، المؤثر فيه ، الموجب لليقين ، والعمل الصالح الكامل ، وإبراهيم عليه السّلام ، هو أفضل الأنبياء كلهم ، بعد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وهو الأب الثالث للطوائف الفاضلة ، وهو الذي جعل اللّه في ذريته النبوة والكتاب ، وهو الذي دعا الخلق إلى اللّه ، وصبر على ما ناله من العذاب العظيم ، فدعا القريب والبعيد . [ 42 ] واجتهد في دعوة أبيه ، مهما أمكنه . وذكر اللّه مراجعته إياه فقال :
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ
مهجنا له عبادة الأوثان
يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
، أي : لم تعبد أصناما ، ناقصة في ذاتها ، وفي أفعالها ، فلا تسمع ، ولا تبصر ، ولا تملك لعابدها ، نفعا ولا ضرا ، بل لا تملك لأنفسها شيئا من النفع ، ولا تقدر على شيء من الدفع ، فهذا برهان جليّ دال ، على أن عبادة الناقص ، في ذاته ، وأفعاله ، مستقبح ، عقلا وشرعا . ودل تنبيهه وإشارته ، أن الذي يجب ، ويحسن ، عبادة من له الكمال الذي ، لا ينال العباد نعمة إلا منه ، ولا يدفع عنهم نقمة ، إلا هو ، وهو اللّه تعالى . [ 43 ]
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ
أي : يا أبت لا تحقرني وتقول : إني ابنك ، وإن عندك ما ليس عندي ، بل قد أعطاني اللّه من العلم ، ما لم يعطك ، والمقصود من هذا قوله :
فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
أي : مستقيما معتدلا ، وهو : عبادة اللّه وحده لا شريك له ، وطاعته في جميع الأحوال ، وفي هذا من لطف الخطاب ولينه ، ما لا يخفى ، فإنه لم يقل « يا أبت أنا عالم ، وأنت جاهل » أو « ليس عندك من العلم شيء » ، وإنما أتى بصيغة أن عندي وعندك علما ، وأن الذي وصل إليّ لم يصل إليك ، ولم يأتك ، فينبغي لك أن تتبع الحجة ، وتنقاد لها . [ 44 ]
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
لأن من عبد غير اللّه ، فقد عبد الشيطان كما قال تعالى :
* أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
( 60 ) .
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
فمن اتبع خطواته ، فقد اتخذه وليا وكان عاصيا للّه بمنزلة الشيطان . وفي ذكر إضافة العصيان إلى اسم الرحمن ، إشارة إلى أن المعاصي ، تمنع العبد من رحمة اللّه ، وتغلق عليه أبوابها ، كما أن الطاعة ، أكبر الأسباب لنيل رحمته . [ 45 ] ولهذا قال :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
أي : بسبب إصرارك على الكفر ، وتماديك في الطغيان
فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
أي : في الدنيا والآخرة ، فتنزل بمنازله الذميمة ، وترتع في مراتعه الوخيمة ، فتدرج الخليل عليه السّلام بدعوة أبيه ، بالأسهل فالأسهل ، فأخبره بعلمه ، وأن ذلك ، موجب لاتباعك إياي وأنك إن
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 577 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي