تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
الربوبية ، وتوحيد الإلهية ، والاستدلال بالأول على الثاني ، ولهذا قال :
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
أي : طريق معتدل ، موصل إلى اللّه ، لكونه طريق الرسل وأتباعهم ، وما عدا هذا ، فإنه من طرق الغيّ والضلال . [ 37 ] لما بين تعالى حال عيسى ابن مريم الذي لا يشكّ فيها ولا يمترى ، أخبر أن الأحزاب ، أي : فرق الضلال ، من اليهود والنصارى وغيرهم ، على اختلاف طبقاتهم - اختلفوا في عيسى عليه السّلام ، فمن غال فيه وجاف . فمنهم من قال : إنه اللّه ، ومنهم ، من قال : إنه ابن اللّه ، ومنهم من قال : إنه ثالث ثلاثة . ومنهم من لم يجعله رسولا ، بل رماه بأنه ولد بغيّ كاليهود . وكل هؤلاء أقوالهم باطلة ، وآراؤهم فاسدة ، مبنية على الشك والعناد ، والأدلة الفاسدة ، والشبه الكاسدة ، وكل هؤلاء مستحقون للوعيد الشديد ، ولهذا قال :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
باللّه ورسله ، وكتبه . ويدخل فيهم ، اليهود والنصارى ، القائلون بعيسى قول الكفر .
مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
أي : مشهد يوم القيامة ، الذي يشهده الأولون والآخرون ، أهل السماوات ، وأهل الأرض ، الخالق والمخلوق ، الممتلئ بالزلازل والأهوال المشتمل على الجزاء بالأعمال ، فحينئذ يتبين ما كانوا يخفون ويبدون ، وما كانوا يكتمون . [ 38 ]
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا
أي : ما أسمعهم وما أبصرهم في ذلك اليوم ؟ فيقرون بكفرهم وشركهم ، وأقوالهم ويقولون :
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
ففي القيامة ، يستيقنون حقيقة ما هم عليه .
لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
وليس لهم عذر في هذا الضلال ، لأنهم بين معاند ضال على بصيرة ، عارف بالحق ، صادف عنه ، وبين ضال عن طريق الحق ، متمكن من معرفة الحق والصواب ، ولكنه راض بضلاله وما هو عليه من سوء أعماله ، غير ساع في معرفة الحق من الباطل ، وتأمل كيف قال :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
بعد قوله :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
، ولم يقل « فويل لهم » ليعود الضمير إلى الأحزاب ، لأن من الأحزاب المختلفين ، طائفة أصابت الصواب ، ووافقت الحق فقالت في عيسى : « إنه عبد اللّه ورسوله » فآمنوا به ، واتبعوه ، فهؤلاء مؤمنون ، غير داخلين في هذا الوعيد ، فلهذا خص اللّه بالوعيد الكافرين . [ 39 ] الإنذار هو : الإعلام بالمخوف على وجه الترهيب ، والإخبار بصفاته ، وأحق ما ينذر به ويخوف به العباد ، يوم الحسرة حين يقضي الأمر ، فيجمع الأولون والآخرون في موقف واحد ، ويسألون عن أعمالهم ، فمن آمن باللّه ، واتبع رسله ، سعد سعادة لا يشقى بعدها ، ومن لم يؤمن باللّه ويتبع رسله شقي شقاء لا يسعد بعدها ، وخسر نفسه وأهله ، فحينئذ يتحسر ويندم ندامة ، تنقطع منها القلوب ، وتتصدع منها الأفئدة ، وأي : حسرة أعظم من فوات رضا اللّه وجنته ، واستحقاق سخطه والنار ، على وجه لا يتمكن الرجوع ، ليستأنف العمل ولا سبيل له إلى تغيير حاله بالعودة إلى الدنيا ؟ [ 40 ] فهذا قدامهم ، والحال أنهم في الدنيا غفلة عن هذا الأمر العظيم لا يخطر بقلوبهم ، ولو خطر ، فعلى سبيل الغفلة ، قد عمتهم الغفلة وشملتهم السكرة ، فهم لا يؤمنون باللّه ، ولا يتبعون رسله ، قد ألهتهم دنياهم ،