تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
أطعتني ، اهتديت إلى صراط مستقيم ، ثم نهاه عن عبادة الشيطان ، وأخبره بما فيها من المضار ، ثم حذره عقاب اللّه ونقمته ، إن أقام على حاله ، وأنه يكون وليا للشيطان . [ 46 ] فلم ينجع هذا الدعاء ، بذلك الشقيّ ، فأجاب بجواب جاهل و
قالَ : أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ
فتبجح بآلهته ، التي هي من الحجر والأصنام ، ولام إبراهيم عن رغبته عنها ، وهذا من الجهل المفرط ، والكفر الوخيم ، يتمدح بعبادة الأوثان ، ويدعو إليها .
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ
أي : عن شتم آلهتي ، ودعوتي إلى عبادة اللّه
لَأَرْجُمَنَّكَ
أي : قتلا بالحجارة
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
أي : لا تكلمني زمانا طويلا . فأجابه الخليل ، جواب عباد الرحمن عند خطاب الجاهلين ، ولم يشتمه بل صبر ، ولم يقابل أباه بما يكره . [ 47 ] و
قالَ : سَلامٌ عَلَيْكَ
أي : ستسلم من خطابي إياك بالشتم والسب ، وبما تكره .
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
أي : لا أزال أدعو اللّه لك بالهداية والمغفرة ، بأن يهديك للإسلام ، الذي به تحصل المغفرة . ف
إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
أي : رحيما رؤوفا بحالي ، معتنيا بي ، فلم يزل يستغفر اللّه له ، رجاء أن يهديه اللّه ، فلما تبين له أنه عدو اللّه ، وأنه لا يفيد فيه شيئا ، ترك الاستغفار له ، وتبرأ منه . وقد أمرنا اللّه باتباع ملة إبراهيم ، فمن اتباع ملته ، سلوك طريقه في الدعوة إلى اللّه ، بطريق العلم والحكمة ، واللين والسهولة ، والانتقال من رتبة إلى رتبة ، والصبر على ذلك ، وعدم السآمة منه ، والصبر على ما ينال الداعي من أذى الخلق ، بالقول والفعل ، ومقابلة ذلك ، بالصفح ، والعفو ، بل بالإحسان القولي والفعلي . [ 48 ] فلما أيس من قومه وأبيه قال :
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : أنتم وأصنامكم
وَأَدْعُوا رَبِّي
وهذا شامل لدعاء العبادة ، ودعاء المسألة
عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا
أي : عسى اللّه أن يسعدني ، بإجابة دعائي ، وقبول أعمالي ، وهذه وظيفة من أيس ممن دعاهم ، فاتبعوا أهواءهم ، فلم تنجع فيهم المواعظ ، فأصروا في طغيانهم يعمهون . فمن وقع في هذه الحال فعليه أن يشتغل بإصلاح نفسه ، ويرجو القبول من ربه ، ويعتزل الشر وأهله . [ 49 ] ولما كان مفارقة الإنسان لوطنه ومألفه وأهله وقومه ، من أشق شيء على النفس ، لأمور كثيرة معروفة ، ومنها انفراده عمن يتعزز بهم ويتكثر وكان من ترك شيئا للّه عوضه اللّه خيرا منه ، واعتزل إبراهيم قومه ، قال اللّه في حقه :
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا
من إسحاق ويعقوب
جَعَلْنا نَبِيًّا
فحصل له ولهؤلاء الصالحين المرسلين إلى الناس ، الّذين خصهم اللّه بوحيه ، واختارهم لرسالته واصطفاهم من العالمين . [ 50 ]
وَوَهَبْنا لَهُمْ
أي : لإبراهيم وابنيه ، إسحاق ويعقوب
مِنْ رَحْمَتِنا
وهذا يشمل جميع ما وهب اللّه لهم من الرحمة ، من العلوم النافعة ، والأعمال الصالحة ، والذرية الكثيرة المنتشرة ، الّذين قد كثر فيهم الأنبياء والصالحون .
وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
وهذا أيضا من الرحمة التي وهبها لهم ، لأن اللّه وعد كل محسن ، أن ينشر له ثناء صادقا بحسب إحسانه ، وهؤلاء من أئمة المحسنين ، فنشر اللّه الثناء الحسن الصادق ، غير الكاذب ، العالي غير الخفي