تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
على غير وصفهما ؟ وأتيت بما لم يأتيا به ؟ وذلك أن الذرية - في الغالب - بعضها من بعض ، في الصلاح وضده ، فتعجبوا - بحسب ما قام بقلوبهم - كيف وقع منها . فأشارت لهم إليه ، أي : كلموه . [ 29 ] وإنما أشارت لذلك ، لأنها أمرت عند مخاطبة الناس لها أن تقول :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
، فلما أشارت إليهم بتكليمه ، تعجبوا من ذلك وقالوا :
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
لأن ذلك لم تجر به عادة ، ولا حصل من أحد في ذلك السن . [ 30 ] فحينئذ قال عيسى عليه السّلام ، وهو في المهد صبي :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
، فخاطبهم بوصفه بالعبودية ، وأنه ليس فيه صفة ، يستحق بها أن يكون إلها ، أو ابنا للإله ، تعالى اللّه عن قول النصارى المخالفين لعيسى - في قوله :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
ومدعون موافقته .
آتانِيَ الْكِتابَ
أي : قضى أن يؤتيني الكتاب
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
فأخبرهم بأنه عبد اللّه ، وأن اللّه علمه الكتاب ، وجعله من جملة أنبيائه ، فهذا من كماله لنفسه . ثم ذكر تكميله لغيره فقال : [ 31 ]
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ
أي : في أي مكان ، وأي زمان ، فالبركة جعلها اللّه فيّ من تعليم الخير والدعوة إليه ، والنهي عن الشر ، والدّعوة إلى اللّه في أقواله ، وأفعاله فكل من جالسه ، أو اجتمع به ، نالته بركته ، وسعد به مصاحبه .
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
أي : أوصاني بالقيام بحقوقه ، التي من أعظمها الصلاة ، وحقوق عباده ، التي أجلها الزكاة ، مدة حياتي ، أي : فأنا ممتثل لوصية ربي ، عامل عليها ، منفذ لها . [ 32 ] وأوصاني أيضا ، أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان ، وأقوم بما ينبغي لها ، لشرفها وفضلها ، ولكونها والدة ، لها حق الولادة وتوابعها .
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً
أي : متكبرا على اللّه ، مترفعا على عباده
شَقِيًّا
في دنياي وأخراي ، فلم يجعلني كذلك بل جعلني مطيعا له خاضعا خاشعا متذللا ، متواضعا لعباد اللّه ، سعيدا في الدنيا والآخرة ، أنا ومن اتبعني . [ 33 ] فلما تم له الكمال ، ومحامد الخصال قال :
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
( 33 ) أي : من فضل ربي وكرمه ، حصلت لي السلامة يوم ولادتي ، ويوم بعثي - من الشر ، والشيطان والعقوبة ، وذلك يقتضي سلامته من الأهوال ، ودار الفجار ، وأنه من أهل دار السّلام ، فهذه معجزة عظيمة ، وبرهان باهر ، على أنه رسول اللّه ، وعبد اللّه حقا . [ 34 ] أي : ذلك الموصوف بتلك الصفات ، عيسى ابن مريم ، من غير شك ولا مرية ، بل قول الحق ، وكلام اللّه ، الذي لا أصدق منه قيلا ، ولا أحسن منه حديثا ، فهذا الخبر اليقيني ، عن عيسى عليه السّلام ، وما قبل فيه مما يخالف هذا ، فإنه مقطوع ببطلانه ، وغايته أن يكون شكا من قائله لا علم له به ، ولهذا قال :
الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
أي : يشكون فيمارون بشكهم ، ويجادلون بخرصهم ، فمن قائل عنه : إنه اللّه ، أو ابن اللّه ، أو ثالث ثلاثة ، تعالى اللّه عن إفكهم وتقوّلهم ، علوا كبيرا . [ 35 ] ف
ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ
أي : ما ينبغي ولا يليق ، لأن ذلك من الأمور المستحيلة ، لأنه الغني الحميد ، المالك لجميع الممالك ، فكيف يتخذ من عباده ومماليكه ولدا ؟
سُبْحانَهُ
أي : تنزه وتقدس عن الولد والنقص .
إِذا قَضى أَمْراً
أي : من الأمور الصغار والكبار ، لم يمتنع ، عليه ولم يستصعب
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
، فإذا كان قدره ومشيئته نافذا في العالم العلوي والسفلي ، فكيف يكون له ولد ؟ وإذا كان إذا أراد شيئا قال له :
كُنْ فَيَكُونُ
فكيف يستبعد إيجاده عيسى من غير أب ؟ ! ! [ 36 ] ولهذا أخبر عيسى أنه عبد مربوب كغيره فقال :
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
الذي خلقنا ، وصورنا ، ونفذ فينا تدبيره ، وصرفنا تقديره .
فَاعْبُدُوهُ
أي : أخلصوا له العبادة ، واجتهدوا في الإنابة ، وفي هذا ، الإقرار بتوحيد
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 575 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي