تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦

سورة إبراهيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ 1 ] يخبر تعالى ، أنه أنزل كتابه على رسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لنفع الخلق ، ليخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة ، وأنواع المعاصي ، إلى نور العلم والإيمان ، والأخلاق الحسنة ، وقوله :
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
أي : لا يحصل منهم المراد المحبوب للّه ، إلا بإرادة من اللّه ومعونة ، ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم . ثمّ فسر النور الذي يهديهم إليه هذا الكتاب ، فقال :
إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
أي : الموصل إليه وإلى دار كرامته ، المشتمل على العلم بالحق والعمل به ، وفي ذكر
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
بعد ذكر الصراط الموصل إليه ، إشارة إلى أن من سلكه ، فهو عزيز بعزة اللّه ، قوي ، ولو لم يكن له أنصار إلا اللّه ، محمود في أموره ، حسن العاقبة . [ 2 ] وليدل ذلك على أن صراط اللّه ، من أكبر الأدلة على ما للّه ، من صفات الكمال ، ونعوت الجلال ، وأن الذي نصبه لعباده ، عزيز السلطان ، حميد ، في أقواله ، وأفعاله ، وأحكامه ، وأنه مألوه معبود بالعبادات ، التي هي منازل الصراط المستقيم ، وأنه كما أن له ملك السماوات والأرض ، خلقا ورزقا ، وتدبيرا ، فله الحكم على عباده بأحكامه الدينية ، لأنهم ملكه ، ولا يليق به أن يتركهم سدى ، فلما بين الدليل والبرهان ، توعد من لم ينقد لذلك فقال :
وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ
لا يقدر قدره ، ولا يوصف أمره . [ 3 ] ثمّ وصفهم بأنهم .
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ
فرضوا بها ، واطمأنوا ، وغفلوا عن الدار الآخرة .
وَيَصُدُّونَ
الناس
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
التي نصبها لعباده ، وبينها في كتبه ، وعلى ألسنة رسله ، فهؤلاء قد نابذوا مولاهم بالمعاداة والمحاربة ،
وَيَبْغُونَها
أي : سبيل اللّه
عِوَجاً
أي : يحرصون على تهجينها وتقبيحها ، للتنفير منها ، ولكن يأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون .
أُولئِكَ
الّذين ذكر وصفهم
فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
لأنهم ضلوا ، وأضلوا وشاقوا اللّه ورسوله ، وحاربوهم . فأي ضلال أبعد من هذا ؟ ، وأما أهل الإيمان ، فعكس هؤلاء ، يؤمنون باللّه وآياته ، ويستحبون الآخرة على الدنيا ، ويدعون إلى سبيل اللّه ويحسنونها ، مهما أمكنهم ، ويبغون استقامتها . [ 4 ] وهذا من لطفه بعباده ، أنه ما أرسل رسولا ،
إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
ما يحتاجون إليه ، ويتمكنون من تعلم ما أتى به ، بخلاف ما لو أتى على غير لسانهم ، فإنهم يحتاجون إلى تلك اللغة ، التي يتكلم بها ، ثمّ يفهمون عنه ، فإذا بين الرسول ما أمروا به ، ونهوا عنه ، وقامت عليهم حجة اللّه
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ
، ممن لم ينقد للهدى ، ويهدي من يشاء ، ممن اختصه برحمته .
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
، الذي - من عزته - أنه انفرد بالهداية والإضلال ، وتقليب القلوب إلى ما شاء ومن حكمته أنه لا يضع هدايته ولا إضلاله ، إلا بالمحل اللائق به . ويستدل