تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
.
وَقالُوا
صريحا لرسلهم :
إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
أي : موقع في الريبة ، وقد كذبوا في ذلك وظلموا . [ 10 ] ولهذا
قالَتْ
لهم
رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ
أي : فإنه أظهر الأشياء وأجلاها ، فمن شك في اللّه
فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الذي وجود الأشياء مستند إلى وجوده ، لم يكن عنده ثقة بشيء من المعلومات ، حتى الأمور المحسوسة ، ولهذا خاطبتهم الرسل ، خطاب من لا يشك فيه ولا يصلح الريب فيه
يَدْعُوكُمْ
إلى منافعكم ومصالحكم
لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
أي : ليثيبكم على الاستجابة لدعوته ، بالثواب العاجل والآجل . فلم يدعوكم لينتفع بعبادتكم ، بل النفع عائد إليكم . فردوا على رسلهم ، رد السفهاء الجاهلين و
قالُوا
لهم :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
أي : فكيف تفضلوننا بالنبوة والرسالة ،
تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
فكيف نترك رأي الآباء وسيرتهم ، لرأيكم ؟ وكيف نطيعكم وأنتم بشر مثلنا ؟
فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
أي : بحجة وبينة ظاهرة ، ومرادهم بينة يقترحونها هم ، وإلا فقد تقدم أن رسلهم جاءتهم بالبينات . [ 11 ]
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ
مجيبين لاقتراحهم واعتراضهم :
إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
أي : صحيح وحقيقة ، إنّا بشر مثلكم ،
وَلكِنَّ
ليس في ذلك ، ما يدفع ما جئنا به من الحقّ ، فإن
اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
فإذا من اللّه علينا بوحيه ورسالته ، فذلك فضله وإحسانه ، وليس لأحد أن يحجر على اللّه فضله ويمنعه من تفضله . فانظروا ما جئناكم به ، فإن كان حقا ، فاقبلوه ، وإن كان غير ذلك ، فردوه ولا تجعلوا حالنا ، حجة لكم على رد ما جئناكم به ، وقولكم :
فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
فإن هذا ليس بأيدينا ، وليس لنا من الأمر شيء .
وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
فهو الذي إن شاء جاءكم به ، وإن شاء لم يأتكم به ، وهو لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته ورحمته ،
وَعَلَى اللَّهِ
لا على غيره
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
فيعتمدون عليه في جلب مصالحهم ، ودفع مضارهم ، لعلمهم بتمام كفايته ، وكمال قدرته ، وعميم إحسانه ، ويثقون به ، في تيسير ذلك ، وبحسب ما معهم من الإيمان يكون توكلهم . [ 12 ] فعلم بهذا ، وجوب التوكل ، وأنه من لوازم الإيمان ، ومن العبادات الكبار ، التي يحبها اللّه ويرضاها ، لتوقف سائر العبادات عليه ،
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا
. أي : أي شيء يمنعنا من التوكل على اللّه ، والحال ، أننا على الحقّ والهدى ، ومن كان على الحقّ والهدى ، فإن هداه ، يوجب له تمام التوكل ، وكذلك ما يعلم من أن اللّه متكفل بمعونة المهتدي وكفايته ، يدعو إلى ذلك ، بخلاف من لم يكن على الحقّ والهدى ، فإنه ليس ضامنا على اللّه ، فإن حاله مناقضة لحال المتوكل . وفي هذا كالإشارة من الرسل ، عليهم الصلاة والسّلام لقومهم ، بآية عظيمة ، وهو أن قومهم - في الغالب - أن لهم القهر والغلبة عليهم ، فتحدتهم رسلهم ، بأنهم متوكلون على اللّه ، في دفع كيدهم ومكرهم ، وجازمون بكفايته إياهم ، وقد كفاهم اللّه شرهم مع حرصهم على إتلافهم ، وإطفاء ما