تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
على القسط والعدل والحمد فلا يتعقبها أحد ، ولا سبيل إلى القدح فيها ] « 1 » .
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
قبل إصابتهم ، فليس ذلك شغلا لك
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ
والتبيين للخلق .
وَعَلَيْنَا الْحِسابُ
فنحاسب الخلق على ما قاموا به ، بما عليهم ، أو ضيعوه ، ونثيبهم أو نعاقبهم . [ 41 ] ثم قال - متوعدا للمكذبين - :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
قيل بإهلاك المكذبين ، واستئصال الظالمين ، وقيل : بفتح بلدان المشركين ، ونقصهم في أموالهم وأبدانهم ، وقيل غير ذلك من الأقوال . والظاهر - واللّه أعلم - أن المراد بذلك ، أن أراضي هؤلاء المكذبين جعل اللّه يفتحها ويجتاحها ، ويحل القوارع بأطرافها ، تنبيها لهم قبل أن يجتاحهم النقص ، ويوقع اللّه بهم من القوارع ، ما لا يرده أحد ، ولهذا قال :
وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
ويدخل في هذا ، حكمه الشرعي ، والقدري ، والجزائي . فهذه الأحكام ، التي يحكم اللّه فيها ، توجد في غاية الحكمة والإتقان ، لا خلل فيها ولا نقص ، بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد ، فلا يتعقبها أحد ولا سبيل إلى القدح فيها ، بخلاف حكم غيره ، فإنه قد يوافق الصواب ، وقد لا يوافقه .
وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ
أي : فلا يستعجلوا بالعذاب ، فإن كل ما هو آت ، فهو قريب . [ 42 ] يقول تعالى :
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
برسلهم ، وبالحق الذي جاءت به الرسل ، فلم يغن عنهم مكرهم ، ولم يصنعوا شيئا ، فإنهم يحاربون اللّه ويبارزونه ،
فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً
أي : لا يقدر أحد أن يمكر مكرا إلا بإذنه ، وتحت قضائه وقدره . فإذا كانوا يمكرون بدينه ، فإن مكرهم سيعود عليهم بالخيبة والندم ، فإن اللّه
يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
أي : همومها وإرادتها وأعمالها الظاهرة والباطنة . والمكر لا بد أن يكون من كسبها ، فلا يخفى على اللّه مكرهم ، فيمتنع أن يمكروا مكرا يضر الحقّ وأهله ، ويفيدهم شيئا ،
وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ
أي : ألهم أو لرسله ؟ ومن المعلوم أن العاقبة للمتقين ، لا للكفر وأهله . [ 43 ]
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا
أي : يكذبونك ، ويكذبون ما أرسلت به ،
قُلْ
لهم - إن طلبوا على ذلك شهيدا :
كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وشهادته بقوله وفعله وإقراره . أما قوله ، فيما أوحاه اللّه إلى أصدق خلقه ، مما يثبت به رسالته . وأما فعله ، فلأن اللّه تعالى أيد رسوله ، ونصره نصرا خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه ، وهذا شهادة منه له بالفعل والتأييد . وأما إقراره ، فإنه أخبر الرسول عنه ، أنه رسول ، وأنه أمر الناس باتباعه . فمن اتبعه ، فله رضوان اللّه وكرامته ، ومن لم يتبعه ، فله النار والسخط ، وحل له ماله ودمه ، واللّه يقره على ذلك ، فلو تقول عليه بعض الأقاويل ، لعاجله بالعقوبة .
وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
وهذا شامل لكل علماء أهل الكتاب ، فإنهم يشهد منهم للرسول ، من آمن ، واتبع الحقّ ، فصرح بتلك الشهادة التي عليه . ومن كتم ذلك ، فإخبار اللّه عنه ، أن عنده شهادة ، أبلغ من خبره ، ولو لم يكن عنده شهادة ، لرد استشهاده بالبرهان ، فسكوته يدل على أن عنده شهادة مكتومة . وإنّما أمر اللّه باستشهاد أهل الكتاب ، لأنهم أهل هذا الشأن ، وكل أمر ، إنّما يستشهد فيه أهله ، ومن هم أعلم به من غيرهم ، بخلاف من هو أجنبي عنه ، كالأميين ، من مشركي العرب وغيرهم ، فلا فائدة في استشهادهم ، لعدم خبرتهم ومعرفتهم . واللّه أعلم . ثمّ تفسير سورة الرعد ، والحمد للّه رب العالمين .
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين أيدينا ، وهو موافق للسياق .