تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
معهم من الحقّ ، فيكون هذا ، كقول نوح لقومه :
يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ
الآيات ، وقول هود عليه السّلام :
إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ
( 55 ) .
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا
أي : ولنستمرن على دعوتكم ، ووعظكم ، وتذكيركم ، ولا نبالي بما يأتينا منكم ، من الأذى ، فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى ، احتسابا للأجر ، ونصحا لكم ، لعل اللّه أن يهديكم مع كثرة التذكير .
وَعَلَى اللَّهِ
وحده لا على غيره
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
فإن التوكل عليه ، مفتاح لكل خير . واعلم أن الرسل ، عليهم الصلاة والسّلام ، توكلهم في أعلى المطالب وأشرف المراتب ، وهو التوكل على اللّه ، في إقامة دينه ونصره ، وهداية عبيده ، وإزالة الضلال عنهم ، وهذا أكمل ما يكون من التوكل . [ 13 ] لما ذكر دعوة الرسل لقومهم ودوامهم على ذلك ، وعدم مللهم ، ذكر منتهى ما وصلت بهم الحال ، مع قومهم فقال :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ
متوعدين لهم -
لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
وهذا أبلغ ما يكون من الرد ، وليس بعد هذا فيهم مطمع ، لأنه ما كفاهم أن أعرضوا عن الهدى ، بل توعدوهم بالإخراج من ديارهم ونسبوها إلى أنفسهم ، وزعموا أن الرسل ، لا حقّ لهم فيها ، وهذا من أعظم الظلم ، فإن اللّه أخرج عباده إلى الأرض ، وأمرهم بعبادته ، وسخر لهم الأرض وما عليها ، يستعينون بها على عبادته . فمن استعان بذلك على عبادة اللّه ، حل له ذلك ، وخرج من التبعة ، ومن استعان بذلك على الكفر وأنواع المعاصي ، لم يكن ذلك خالصا له ، ولم يحل له ، فعلم أن أعداء الرسل في الحقيقة ، ليس لهم شيء من الأرض ، التي توعدوا الرسل بإخراجهم منها . وإن رجعنا إلى مجرد العادة ، فإن الرسل من جملة أهل بلادهم ، وأفراد منهم ، فلأي شيء يمنعونهم حقا لهم ، صريحا واضحا ؟ هل هذا إلا من عدم الدين والمروءة بالكلية ؟ ولهذا لما انتهى مكرهم بالرسل إلى هذه الحال ، ما بقي حينئذ ، إلا أن يمضي اللّه أمره ، وينصر أولياءه ،
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
بأنواع العقوبات . [ 14 ]
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ
أي : العاقبة الحسنة التي جعلها اللّه للرسل ومن تبعهم ، جزاء
لِمَنْ خافَ مَقامِي
عليه في الدنيا ، وراقب اللّه مراقبة من يعلم أنه يراه ،
وَخافَ وَعِيدِ
أي : ما توعدت به من عصاني ، فأوجب له ذلك ، الانكفاف عما يكرهه اللّه ، والمبادرة إلى ما يحبه اللّه . [ 15 ]
وَاسْتَفْتَحُوا
أي : الكفار ، أي : هم الّذين طلبوا ، واستعجلوا فتح اللّه وفرقانه ، بين أوليائه وأعدائه ، فجاءهم ما استفتحوا به ، وإلا فاللّه عليم حليم ، لا يعاجل من عصاه بالعقوبة ،
وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
أي : خسر في الدنيا والآخرة ، من تجبر على اللّه وعلى الحقّ ، وعلى عباد اللّه ، واستكبر في الأرض ، وعاند الرسل ، وشاقّهم . [ 16 ]
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ
أي : جهنم لهذا الجبار العنيد بالمرصاد ، فلا بد له من ورودها ، فيذوق حينئذ العذاب