تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
[ 28 ] ثمّ ذكر تعالى علامة المؤمنين فقال :
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
أي : يزول قلقها واضطرابها ، وتحضرها أفراحها ولذاتها .
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
أي : حقيق بها ، وحريّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره ، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أحلى ، من محبة خالقها ، والأنس به ومعرفته ، وعلى قدر معرفتها باللّه ومحبتها له ، يكون ذكرها له ، هذا على القول بأن ذكر اللّه ، هو ذكر العبد لربه ، من تسبيح ، وتهليل ، وتكبير وغير ذلك . وقيل : إن المراد بذكر اللّه كتابه ، الذي أنزله ذكرى للمؤمنين . فعلى هذا ، معنى طمأنينة القلب بذكر اللّه : أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه ، تطمئن لها ، فإنها تدل على الحقّ المبين ، المؤيد بالأدلة والبراهين ، وبذلك تطمئن القلوب ، فإنها لا تطمئن القلوب ، إلا باليقين والعلم ، وذلك في كتاب اللّه ، مضمون على أتم الوجوه وأكملها ، وأما ما سواه من الكتب ، التي لا ترجع إليه ، فلا تطمئن بها ، بل لا تزال قلقة من تعارض الأدلة ، وتضاد الأحكام .
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
وهذا إنّما يعرفه من خبر كتاب اللّه ، وتدبره ، وتدبر غيره من أنواع العلوم ، فإنه يجد بينها وبينه فرقا عظيما . [ 29 ] ثمّ قال تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي : آمنوا بقلوبهم باللّه ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وصدقوا هذا الإيمان ، بالأعمال الصالحة ، أعمال القلوب ، كمحبة اللّه ، وخشيته ورجائه ، وأعمال الجوارح ، كالصلاة ونحوها ،
طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
أي : لهم حالة طيبة ، ومرجع حسن . وذلك بما ينالون ، من رضوان اللّه وكرامته ، في الدنيا والآخرة ، وأن لهم كمال الراحة ، وتمام الطمأنينة ، ومن جملة ذلك ، شجرة طوبى ، التي في الجنة ، التي يسير الراكب في ظلها ، مائة عام ما يقطعها ، كما وردت بها الأحاديث الصحيحة . [ 30 ] يقول تعالى لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم :
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ
إلى قومك تدعوهم إلى الهدى ،
فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ
أرسلنا فيهم رسلنا . فلست ببدع من الرسل ، حتى يستنكروا رسالتك ، ولست تقول من تلقاء نفسك ، بل تتلو عليهم آيات اللّه ، التي أوحاها اللّه إليك ، التي تطهر القلوب ، وتزكي النفوس . والحال أن قومك ، يكفرون بالرحمن ، فلم يقابلوا رحمته وإحسانه - التي أعظمها أن أرسلناك إليهم رسولا ، وأنزلنا عليك كتابا - بالقبول والشكر ، بل قابلوها بالإنكار والرد ، فلا يعتبرون بمن خلا من قبلهم ، من القرون المكذبة ، كيف أخذهم اللّه بذنوبهم ،
قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
وهذا متضمن التوحيدين ، توحيد الألوهية ، وتوحيد الربوبية . فهو ربي ، الذي رباني بنعمه ، منذ أوجدني ، وهو إلهي الذي
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
في جميع أموري
وَإِلَيْهِ مَتابِ
أي : أرجع في جميع عباداتي ، وفي حاجاتي . [ 31 ] يقول تعالى - مبينا فضل القرآن الكريم على سائر الكتب المنزلة - :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً
من الكتب الإلهية
سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ
عن أماكنها
أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ
جنانا وأنهارا
أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
لكان هذا القرآن .
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
فيأتي بالآيات ، التي تقتضيها حكمته ، فما بال المكذبين ، يقترحون من الآيات - ما يقترحون ؟ فهل