تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
بعد وضوحها ،
إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : من الهلاك والعقاب ، فإنهم صنعوا كصنيعهم ، وسنة اللّه جارية في الأولين والآخرين .
قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
فستعلمون من تكون له العاقبة الحسنة ، والنجاة في الدنيا والآخرة ، وليست إلا للرسل وأتباعهم . [ 103 ] ولهذا قال :
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا
من مكاره الدنيا والآخرة ، وشدائدهما .
كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا
أوجبناه على أنفسنا
نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ
فإن اللّه يدافع عن الّذين آمنوا ، فإنه - بحسب ما مع العبد من الإيمان - تحصل له النجاة من المكاره . [ 104 ] يقول تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، سيد المرسلين ، وإمام المتقين وخير الموقنين :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي
أي : في ريب واشتباه ، فإني لست في شك منه ، بل لديّ العلم اليقين أنه الحقّ ، وأن ما تدعون من دون اللّه باطل ، ولي على ذلك ، الأدلة الواضحة ، والبراهين الساطعة . ولهذا قال تعالى :
فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
من الأنداد ، والأصنام وغيرهما ، لأنها لا تخلق ولا ترزق ، ولا تدبر شيئا من الأمور ، وإنّما هي مخلوقة مسخرة ، ليس فيها ما يقتضي عبادتها .
وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ
أي : هو اللّه الذي خلقكم ، وهو الذي يميتكم ، ثمّ يبعثكم ، ليجازيكم بأعمالكم ، فهو الذي يستحق أن يعبد ، ويصلى له ويسجد . [ 105 ]
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
أي : أخلص أعمالك الظاهرة والباطنة للّه ، وأقم جميع شرائع الدين حنيفا ، أي : مقبلا على اللّه ، معرضا عما سواه ،
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
لا في حالهم ، ولا تكن معهم . [ 106 ]
وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ
وهذا وصف لكل مخلوق ، أنه لا ينفع ولا يضر ، وإنّما النافع الضار ، هو اللّه تعالى .
فَإِنْ فَعَلْتَ
أي : دعوت من دون اللّه ما لا ينفعك ولا يضرك
فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ
أي : الضارين أنفسهم بإهلاكها . وهذا الظلم هو الشرك كما قال تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
، فإذا كان خير الخلق ، لو دعا مع اللّه غيره ، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره ؟ [ 107 ]
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
( 107 ) هذا من أعظم الأدلة على أن اللّه وحده المستحق للعبادة ، فإنه النافع الضار ، المعطي ، المانع ، الذي إذا مس بضر ، كفقر ومرض ، ونحوها
فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ
لأن الخلق ، لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء ، لم ينفعوا إلا بما كتبه اللّه ، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا ، لم يقدروا على شيء من ضرره ، إذا لم يرده . ولهذا قال :
وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ
أي : لا يقدر أحد من الخلق ، أن يرد فضله وإحسانه ، كما قال تعالى :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ
.
يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
أي : يختص برحمته من شاء من خلقه ، واللّه ذو الفضل العظيم ،
وَهُوَ الْغَفُورُ
لجميع الزلات ، الذي يوفق عبده ، لأسباب مغفرته ، ثمّ إذا فعلها العبد ، غفر اللّه ذنوبه ، كبارها ، وصغارها .
الرَّحِيمُ
الذي وسعت رحمته كل شيء ووصل جوده إلى جميع
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 428 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي