تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
البيان ،
مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ
يضع الأشياء مواضعها ، وينزلها منازلها ، لا يأمر ، ولا ينهى ، إلا بما تقتضيه حكمته ،
خَبِيرٍ
مطلع على الظواهر والبواطن . [ 2 ] فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند اللّه الحكيم الخبير ، فلا تسأل بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة ، وسعة الرحمة . وإنّما أنزل اللّه كتابه لأجل
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
أي : لأجل إخلاص الدين كلّه للّه ، وأن لا يشرك به أحد من خلقه .
إِنَّنِي لَكُمْ
أيها الناس
مِنْهُ
أي : من اللّه ربكم
نَذِيرٌ
لمن تجرأ على المعاصي ، بعقاب الدنيا والآخرة ،
وَبَشِيرٌ
للمطيعين للّه ، بثواب الدنيا والآخرة . [ 3 ]
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
عن ما صدر منكم من الذنوب
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
فيما تستقبلون من أعماركم بالرجوع إليه ، بالإنابة والرجوع عما يكرهه اللّه إلى ما يحبه ويرضاه . ثمّ ذكر ما يترتب على الاستغفار والتوبة فقال :
يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً
أي : يعطيكم من رزقه ما تتمتعون به وتنتفعون .
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
أي : إلى وقت وفاتكم
وَيُؤْتِ
منكم
كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
أي : يعطي أهل الإحسان والبر من فضله وبره ، ما هو جزاء لإحسانهم ، من حصول ما يحبون ، ودفع ما يكرهون .
وَإِنْ تَوَلَّوْا
عن ما دعوتكم إليه ، بل أعرضتم عنه ، وربما كذبتم به
فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ
وهو يوم القيامة ، الذي يجمع اللّه فيه الأولين والآخرين . [ 4 ]
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ
ليجازيكم بأعمالكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وفي قوله :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
كالدليل على إحياء اللّه الموتى ، فإنه على كل شيء قدير ، ومن جملة الأشياء إحياء الموتى ، وقد أخبر بذلك وهو أصدق القائلين ، فيجب وقوع ذلك عقلا ونقلا . [ 5 ] يخبر تعالى عن جهل المشركين ، وشدة ضلالهم أنهم
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
أي : يميلونها
لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ
أي : من اللّه ، فتقع صدورهم حاجبة لعلم اللّه ، بأحوالهم ، وبصره لهيئاتهم . قال تعالى - مبينا خطأهم في هذا الظن -
أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ
أي يتغطون بها ، يعلمهم في تلك الحال ، التي هي من أخفى الأشياء . بل
يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ
من الأقوال والأفعال
وَما يُعْلِنُونَ
منها ، بل ما هو أبلغ من ذلك وهو
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
أي : بما فيها من الإرادات ، والوساوس ، والأفكار ، التي لم ينطقوا بها ، سرا ولا جهرا ، فكيف تخفى عليه حالكم ، إذا ثنيتم صدوركم لتستخفوا منه . ويحتمل أن المعنى في هذا ، أن اللّه يذكر إعراض المكذبين للرسول ، الغافلين عن دعوته ، أنهم - من شدة إعراضهم - يثنون صدورهم ، أي : يحدودبون ، حين يرون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لئلا يراهم ، ويسمعهم دعوته ، ويعظهم بما ينفعهم ، فهل فوق هذا الإعراض شيء ؟ ثمّ توعدهم بعلمه تعالى بجميع أحوالهم ، وأنهم لا يخفون عليه ، وسيجازيهم بصنيعهم . [ 6 ] أي : جميع ما دب على وجه الأرض ، من آدمي ، وحيوان ، بري أو بحري ، فاللّه تعالى قد تكفل بأرزاقهم وأقواتهم ، فرزقهم على اللّه .
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها
أي : يعلم مستقر هذه الدواب ، وهو : المكان الذي تقيم فيه ،