تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
وتستقر فيه ، وتأوي إليه ، ومستودعها : المكان الذي تنتقل إليه في ذهابها ومجيئها ، وعوارض أحوالها .
كُلٌّ
من تفاصيل أحوالها
فِي كِتابٍ مُبِينٍ
أي : في اللوح المحفوظ المحتوي على جميع الحوادث الواقعة ، والتي تقع في السماوات والأرض . الجميع قد أحاط بها علم اللّه ، وجرى بها قلمه ، ونفذت فيها مشيئته ، ووسعها رزقه . فلتطمئن القلوب إلى كفاية من تكفل بأرزاقها ، وأحاط علما بذواتها ، وصفاتها . [ 7 ] يخبر تعالى أنه
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
أولها : يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة .
وَ
حين خلق السماوات والأرض
كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
فوق السماء السابعة . فبعد أن خلق السماوات والأرض ، استوى على عرشه ، يدبر الأمور ، ويصرفها كيف شاء من الأحكام القدرية ، والأحكام الشرعية . ولهذا قال :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
أي : ليمتحنكم ، إذ خلق لكم ما في السماوات والأرض ، بأمره ونهيه ، فينظر أيكم أحسن عملا . قال الفضيل بن عياض رحمه اللّه : أي « أخلصه وأصوبه » . قيل يا أبا علي : « ما أخلصه وأصوبه » ؟ . فقال : إن العمل إذا كان خالصا ، ولم يكن صوابا ، لم يقبل . وإذا كان صوابا ، ولم يكن خالصا لم يقبل ، حتى يكون خالصا صوابا . والخالص : أن يكون لوجه اللّه ، والصواب : أن يكون متبعا فيه الشرع والسنة . وهذا كما قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) . وقال تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
. فاللّه تعالى خلق الخلق لعبادته ، ومعرفته بأسمائه وصفاته ، وأمرهم بذلك . فمن انقاد ، وأدى ما أمر به ، فهو من المفلحين ، ومن أعرض عن ذلك ، فأولئك هم الخاسرون ، ولا بد أن يجمعهم في دار ، يجازيهم فيها على ما أمرهم به ونهاهم . ولهذا ذكر اللّه تكذيب المشركين بالجزاء ، فقال :
وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
. أي : ولئن قلت لهؤلاء ، وأخبرتهم بالبعث بعد الموت ، لم يصدقوك ، بل كذبوك أشد التكذيب ، وقدحوا فيما جئت به ، وقالوا :
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
ألا وهو الحقّ المبين . [ 8 ]
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ
أي : إلى وقت مقدر فاستبطئوه ، لقالوا من جهلهم وظلمهم
ما يَحْبِسُهُ
. ومضمون هذا ، تكذيبهم به ، فإنهم يستدلون بعدم وقوعه بهم عاجلا ، على كذب الرسول المخبر بوقوع العذاب ، فما أبعد هذا الاستدلال
أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ
فيتمكنون من النظر في أمرهم .
وَحاقَ بِهِمْ
أي : أحاط بهم ونزل
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
من العذاب ، حيث تهاونوا به ، حتى جزموا بكذب من جاء به . [ 9 - 11 ] يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان ، أنه جاهل ظالم ، بأن اللّه إذا أذاقه منه رحمة ، كالصحة والرزق ، والأولاد ، ونحو ذلك ، ثمّ نزعها منه ، فإنه يستسلم لليأس ، وينقاد للقنوط ، فلا يرجو ثواب اللّه ، ولا يخطر بباله أن اللّه سيردها ، أو مثلها ، أو خيرا منها عليه . وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء مسته ، أنه يفرح ويبطر ، ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير ويقول :
ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
أي : يفرح بما أوتي مما يوافق هوى نفسه ، فخور