تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
ولا يتشبه بالمنافقين . [ 55 ] يقول تعالى : فلا تعجبك أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم ، فإنه لا غبطة فيها . وأول بركاتها عليهم ، أن قدموها على مراضي ربهم ، وعصوا اللّه لأجلها :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
. والمراد بالعذاب هنا ، ما ينالهم من المشقة في تحصيلها ، والسعي الشديد في ذلك ، وهم القلب فيها ، وتعب البدن . فلو قابلت لذاتهم فيها بمشقاتهم ، لم يكن لها نسبة إليها ، فهي - لما ألهتهم عن اللّه وذكره - صارت وبالا عليهم ، حتى في الدنيا . ومن وبالها العظيم الخطر ، أن قلوبهم تتعلق بها ، وإرادتهم لا تتعداها فتكون منتهى مطلوبهم ، وغاية مرغوبهم ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب ، فيوجب ذلك ، أن ينتقلوا من الدنيا
وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ
. فأي : عقوبة أعظم من هذه العقوبة ، الموجبة للشقاء الدائم ، والحسرة الملازمة . [ 56 ]
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ
قصدهم في حلفهم هذا أنهم
قَوْمٌ يَفْرَقُونَ
أي : يخافون الدوائر ، وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبينوا أحوالهم . فيخافون إن أظهروا حالهم منكم ، ويخافون أن تتبرءوا منهم ، فيتخطفهم الناس من كل جانب . وأما حال قوي القلب ، ثابت الجنان ، فإنه يحمله ذلك ، على بيان حاله ، حسنة كانت أو سيئة . ولكن المنافقين خلع عليهم خلعة الجبن ، وحلوا بحلية الكذب . [ 57 ] ثمّ ذكر شدة جبنهم فقال :
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً
يلجئون إليه عندما تنزل بهم الشدائد .
أَوْ مَغاراتٍ
يدخلونها ، فيستقرون فيها
أَوْ مُدَّخَلًا
أي : محلا يدخلونه فيتحصنون فيه
لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ
أي : يسرعون ويهرعون . فليس لهم ملكة ، يقتدرون بها على الثبات . [ 58 ] أي : ومن هؤلاء المنافقين ، من يعيبك في قسمة الصدقات ، وينتقد عليك فيها . وليس انتقادهم فيها وعيبهم ، لقصد صحيح ، ولا لرأي رجيح ، وإنّما مقصودهم أن يعطوا منها .
فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ
وهذه حالة ، لا ينبغي للعبد أن يكون رضاه وغضبه ، تابعا لهوى نفسه الدنيوي ، وغرضه الفاسد . بل الذي ينبغي ، أن يكون لمرضاة ربه ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » . [ 59 ] وقال هنا :
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أي : أعطاهم من قليل وكثير .
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ
أي : كافينا اللّه ، فنرضى بما قسمه لنا . وليؤملوا فضله وإحسانه إليهم بأن يقولوا :
سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ
أي : متضرعون في جلب منافعنا ، ودفع مضارنا . [ 60 ] ثمّ بين تعالى كيفية قسمة الصدقات الواجبة فقال :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ
إلى
عَلِيمٌ حَكِيمٌ
. ويقول تعالى :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ
أي : الزكوات الواجبة ، بدليل أن الصدقة المستحبة لكل أحد ، لا يخص بها أحد دون أحد . إنّما الصدقات - لهؤلاء المذكورين ، دون من عداهم ، لأنه حصرها فيهم ، وهم ثمانية أصناف : الأول والثاني : الفقراء والمساكين ، وهم في هذا الموضع ، صنفان متفاوتان : فالفقير ، أشد حاجة من المسكين ، لأن اللّه بدأ بهم ، ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم ، ففسر الفقير ، بأنه الذي لا يجد شيئا ، أو يجد بعض كفايته دون نصفها . والمسكين : هو الذي يجد
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 387 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي