تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
نصفها فأكثر ، ولا يجد تمام كفايته ، لأنه لو وجدها لكان غنيا ، فيعطون من الزكاة ، ما يزول به فقرهم ومسكنتهم . والثالث : العالمون على الزكاة ، وهم : كل من له عمل وشغل فيها ، من حافظ لها ، وجاب لها من أهلها ، أو راع ، أو حامل لها ، أو كاتب ، أو نحو ذلك . فيعطون لأجل عمالتهم ، وهي أجرة لأعمالهم فيها . والرابع : المؤلفة قلوبهم . والمؤلف قلبه هو : السيد المطاع في قومه ، ممن يرجى إسلامه ، أو يخشى شره أو يرجى بعطيته ، قوة إيمانه ، أو إسلام نظيره ، أو جبايتها ممن لا يعطيها . فيعطى ، ما يحصل به التأليف والمصلحة . والخامس : الرقاب ، وهم المكاتبون الّذين قد اشتروا أنفسهم من ساداتهم . فهم يسعون في تحصيل ما يفك رقابهم ، فيعانون على ذلك من الزكاة . وفك الرقبة المسلمة التي في حبس الكفار ، داخل في هذا ، بل أولى . ويدخل في هذا ، أنه يجوز أن يعتق الرقاب استقلالا ، لدخوله في قوله :
وَفِي الرِّقابِ
. والسادس : الغارمون ، وهم قسمان : أحدهما : الغارمون لإصلاح ذات البيت ، وهو أن يكون بين طائفتين من الناس ، شر وفتنة ، فيتوسط الرجل للإصلاح بينهم ، بما يبذله لأحدهم أو لهم كلهم . فجعل له نصيب من الزكاة ، ليكون أنشط له ، وأقوى لعزمه ، فيعطى ، ولو كان غنيا . والثاني : من غرم لنفسه ، ثمّ أعسر ، فإنه يعطى ما يوفّى به دينه . والسابع : الغازي في سبيل اللّه ، وهم : الغزاة المتطوعة ، الّذين لا ديوان لهم . فيعطون من الزكاة ، ما يعينهم على غزوهم ، من ثمن سلاح ، أو دابة ، أو نفقة له ولعياله ، ليتوفر على الجهاد ، ويطمئن قلبه . وقال كثير من الفقهاء : إن تفرغ القادر على الكسب لطلب العلم ، أعطي من الزكاة ، لأن العلم داخل في الجهاد في سبيل اللّه . وقالوا أيضا : يجوز أن يعطى منها الفقير ، لحج فرضه ، وفيه نظر . والثامن : ابن السبيل ، وهو : الغريب المنقطع به في غير بلده . فيعطى من الزكاة ، ما يوصله إلى بلده . فهؤلاء الأصناف الثمانية ، الّذين تدفع إليهم الزكاة وحدهم
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ
فرضها وقدرها ، تابعة لعلمه وحكمه
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
. واعلم أن هذه الأصناف الثمانية ، ترجع إلى أمرين : أحدهما : من يعطى لحاجته ونفعه ، كالفقير ، والمسكين ، ونحوهما . والثاني : من يعطى للحاجة إليه ، وانتفاع الإسلام به . فأوجب اللّه هذه الحصة ، في أموال الأغنياء ، لسد الحاجات الخاصة والعامة ، للإسلام والمسلمين . فلو أعطى الأغنياء زكاة أموالهم ، على الوجه الشرعي ، لم يبق فقير من المسلمين . ولحصل من الأموال ، ما يسد الثغور ، ويجاهد به الكفار ، وتحصل به جميع المصالح الدينية . [ 61 ] أي : من هؤلاء المنافقين :
الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ
بالأقوال الردية ، والعيب له ولدينه .
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ
أي : لا يبالون بما يقولون من الأذية للنبي . ويقولون : إذا بلغه عنا بعض ذلك ، جئنا نعتذر إليه ، فيقبل منا ، لأنه أذن ، أي : يقبل كل ما يقال له ، لا يميز بين صادق وكاذب . وقصدهم - قبحهم اللّه - فيما بينهم ، أنهم غير مكترثين بذلك ، ولا مهتمين به . لأنه إذا لم يبلغه ، فهذا مطلوبهم ، وإن بلغه ، اكتفوا بمجرد الاعتذار الباطل . فأساءوا كل الإساءة ، من أوجه كثيرة ، أعظمها أذية نبيهم ، الذي جاء لهدايتهم ، وإخراجهم من الشقاء والهلاك ، إلى الهدى والسعادة . ومنها : عدم اهتمامهم أيضا بذلك ، وهو قدر زائد على مجرد الأذية . ومنها : قدحهم في عقل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعدم إدراكه ، وتفريقه بين الصادق والكاذب . وهو أكمل الخلق عقلا ، وأتمهم إدراكا ، وأثقبهم رأيا وبصيرة ، ولهذا قال تعالى :
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
أي : يقبل من قال له خيرا وصدقا . وأما إعراضه وعدم تعنيه لكثير من المنافقين المعتذرين بالأعذار الكاذبة ، فلسعة خلقه ، وعدم اهتمامه بشأنهم ، وامتثاله لأمر اللّه في قوله :
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ
. وأما حقيقة ما في قلبه ورأيه ، فقال عنه :
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
الصادقين المصدقين ، ويعلم الصادق من الكاذب ، وإن كان كثيرا ما يعرض عن الّذين يعرف كذبهم وعدم صدقهم .
وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
فإنهم به يهتدون ، وبأخلاقه يقتدون . وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة ، بل