تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
والآيات الباهرة والسلطان الناصر .
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
لا يغالبه مغالب ، ولا يفوته هارب .
حَكِيمٌ
يضع الأشياء مواضعها ، وقد يؤخر نصر حزبه إلى وقت آخر ، اقتضته الحكمة الإلهية . وفي هذه الآية الكريمة ، فضيلة أبي بكر الصديق ، بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة ، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة ، والصحبة الجميلة . وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة ، ولهذا عدوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، كافرا لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها . وفيها فضيلة السكينة ، وأنها من تمام نعمة اللّه على العبد ، في أوقات الشدائد والمخاوف ، التي تطيش لها الأفئدة ، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه ، وثقته بوعده الصادق ، وبحسب إيمانه وشجاعته . وفيها : أن الحزن قد يعرض لخواص عباده الصديقين ، مع أن الأولى - إذا نزل بالعبد - أن يسعى في ذهابه عنه ، فإنه مضعف للقلب ، موهن للعزيمة . [ 41 ] يقول تعالى لعباده المؤمنين - مهيجا لهم على النفير في سبيله - :
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، والحر والبرد ، وفي جميع الأحوال .
وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي : ابذلوا جهدكم في ذلك ، واستفرغوا وسعكم في المال والنفس ، وفي هذا دليل على أنه - كما يجب الجهاد في النفس - يجب في المال ، حيث اقتضت الحاجة ، ودعت لذلك . ثمّ قال :
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أي : الجهاد في النفس والمال ، خير لكم من التقاعد عن ذلك ، لأن فيه رضا اللّه تعالى ، والفوز بالدرجات العاليات عنده ، والنصر لدين اللّه ، والدخول جملة جنده وحزبه . [ 42 ]
لَوْ كانَ
خروجهم
عَرَضاً قَرِيباً
أي : لطلب عرض قريب ، ومنفعة دنيوية ، سهلة التناول
وَ
كان السفر
سَفَراً قاصِداً
أي : قريبا سهلا .
لَاتَّبَعُوكَ
لعدم المشقة الكثيرة ،
وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ
أي : طالت عليهم المسافة ، وصعب عليهم السفر ، فلذلك تثاقلوا عنك ، وليس هذا من أمارات العبودية ، بل العبد حقيقة ، هو المتعبد لربه في كل حال ، القائم بالعبادة السهلة والشاقة ، فهذا العبد للّه على كل حال .
وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ
أي : سيحلفون لتخلفهم عن الخروج ، أن لهم عذرا ، وأنهم لا يستطيعون ذلك .
يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ
بالقعود والكذب والإخبار بغير الواقع ،
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
. وهذا العتاب ، إنّما هو للمنافقين ، الّذين تخلفوا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في « غزوة تبوك » وأبدوا من الأعذار الكاذبة ما أبدوا ، فعفا النبي صلّى اللّه عليه وسلم عنهم بمجرد اعتذارهم ، من غير أن يمتحنهم ، فيتبين له الصادق من الكاذب ، ولهذا عاتبه اللّه على هذه المسارعة إلى قبول اعتذارهم فقال :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ
إلى قوله :
فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
. [ 43 ] يقول تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ
أي : سامحك ، وغفر لك ما أجريت .
لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
في التخلف
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
، بأن تمتحنهم ، ليتبين لك الصادق من الكاذب ، فتعذر من يستحق العذر ، ممن لا يستحق ذلك . [ 44 ] ثمّ أخبر أن المؤمنين باللّه واليوم الآخر ، لا يستأذنون في ترك الجهاد ، بأموالهم وأنفسهم ، لأن ما معهم