تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
ردوها ، فخسروا دنياهم وآخرتهم .
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ
بالقول والفعل
لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
في الدنيا والآخرة . ومن العذاب الأليم ، أنه يتحتم قتل مؤذيه وشاتمه . [ 62 ]
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ
فيتبرءوا مما صدر منهم من الأذية وغيرها . فغايتهم أن ترضوا عليهم .
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ
لأن المؤمن لا يقدم شيئا على رضا ربه . فدل هذا ، على انتفاء إيمانهم ، حيث قدموا رضا غير اللّه ورسوله . وهذا محادة للّه ، ومشاقة له ، [ 63 ] وقد توعد من حاده بقوله :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
بأن يكون في حق وشق مبعد عن اللّه ورسوله بأن تهاون بأوامر اللّه ، وتجرأ على محارمه .
فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ
الذي لا خزي أشنع ولا أفظع منها ، حيث فاتهم النعيم المقيم ، وحصلوا على عذاب الجحيم عياذا باللّه من حالهم . [ 64 ] كانت هذه السورة الكريمة تسمى « الفاضحة » لأنها بينت أسرار المنافقين ، وهتكت أستارهم ، فما زال اللّه يقول : ومنهم ومنهم ، ويذكر أوصافهم ، إلا أنه لم يعين أشخاصهم لفائدتين : إحداهما : أن اللّه ستّير ، يحب الستر على عباده . والثانية : أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين ، الّذين توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلى يوم القيامة ، فكان ذكر الوصف أعم وأنسب ، حتى خافوا غاية الخوف . قال اللّه تعالى :
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا
( 61 ) . وقال هنا :
يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ
أي : تخبرهم وتفضحهم ، وتبين أسرارهم ، حتى تكون علانية لعباده ، ويكونوا عبرة للمعتبرين .
قُلِ اسْتَهْزِؤُا
أي : استمروا على ما أنتم عليه ، من الاستهزاء والسخرية .
إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ
وقد وفّى تعالى بوعده ، فأنزل هذه السورة التي بينتهم وفضحتهم ، وهتكت أستارهم . [ 65 - 66 ]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
عما قالوه من الطعن في المسلمين ، وفي دينهم ، يقول طائفة منهم في غزوة تبوك : « ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه - أرغب بطونا وأكذب ألسنا ، وأجبن عند اللقاء » ونحو ذلك . ولما بلغهم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد علم بكلامهم ، جاءوا يعتذرون إليه ويقولون :
إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
أي نتكلم بكلام ، لا قصد لنا به ، ولا قصدنا الطعن والعيب . قال اللّه تعالى - مبينا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك - :
قُلْ
لهم
أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
فإن الاستهزاء باللّه ورسوله ، كفر مخرج عن الدين ، لأن أصل الدين ، مبني على تعظيم اللّه ، وتعظيم دينه ورسله ، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ، ومناقض له أشد المناقضة . ولهذا لما جاءوا إلى الرسول يعتذرون بهذه المقالة ، والرسول لا يزيدهم على قوله :
أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
. وقوله :
إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ
لتوبتهم واستغفارهم وندمهم ،
نُعَذِّبْ طائِفَةً
منكم
بِأَنَّهُمْ
أي بسبب أنهم
كانُوا مُجْرِمِينَ
مقيمين على كفرهم ونفاقهم . وفي هذه الآيات ، دليل على أن من أسر سريرة ، خصوصا السريرة التي