تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
القول - :
أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا
. فإنه على تقدير صدق هذا القائل في قصده ، فإن في التخلف مفسدة كبرى ، وفتنة عظمى ، محققة ، وهي : معصية اللّه ومعصية رسوله ، والتجري على الإثم الكبير ، والوزر العظيم . وأما الخروج ، فمفسدة قليلة بالنسبة للتخلف ، وهي متوهمة . مع أن هذا القائل قصده التخلف لا غير ، ولهذا توعدهم اللّه بقوله :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
ليس لهم عنها مفر ولا مناص ، ولا فكاك ، ولا خلاص . [ 50 ] يقول تعالى - مبينا أن المنافقين ، هم الأعداء حقا ، المبغضون للدين صرفا :
وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
كإدالة العدو عليك
يَقُولُوا
متبجحين بسلامتهم من الحضور معك .
قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ
أي : قد حذرنا وعملنا ، بما ينجينا من الوقوع في مثل هذه المصيبة .
وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ
بمصيبتك ، وبعدم مشاركتهم إياك فيها . [ 51 ] قال تعالى - رادّا عليهم في ذلك - :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
أي : ما قدره وأجراه في اللوح المحفوظ .
هُوَ مَوْلانا
أي : متولي أمورنا الدينية والدنيوية ، فعلينا الرضا بأقداره ، وليس في أيدينا من الأمر شيء .
وَعَلَى اللَّهِ
وحده
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
أي : ليعتمدوا عليه ، في جلب مصالحهم ، ودفع المضار عنهم ، وليثقوا به في تحصيل مطلوبهم ، فلا خاب من توكل عليه . وأما من توكل على غيره ، فإنه مخذول ، غير مدرك لما أمل . [ 52 ] أي : قل للمنافقين ، الّذين يتربصون بكم الدوائر : أي شيء تربصون بنا ؟ فإنكم لا تربصون بنا ، إلا أمرا ، فيه غاية نفعنا ، وهو إحدى الحسنيين . إما الظفر بالأعداء ، والنصر عليهم ، ونيل الثواب الأخروي والدنيوي . وإما الشهادة التي هي من أعلى درجات الخلق ، وأرفع المنازل عند اللّه . وأما تربصنا بكم - يا معشر المنافقين - فنحن نتربص بكم ، أن يصيبكم اللّه بعذاب من عنده ، لا سبب لنا فيه ، أو بأيدينا ، بأن يسلطنا عليكم فنقتلكم .
فَتَرَبَّصُوا
بنا الخير
إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ
بكم الشر . [ 53 ] يقول تعالى - مبينا بطلان نفقات المنافقين ، وذاكرا السبب في ذلك - :
قُلْ
لهم
أَنْفِقُوا طَوْعاً
من أنفسكم
أَوْ كَرْهاً
على ذلك ، بغير اختياركم .
لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ
شيء من أعمالكم
إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ
خارجين عن طاعة اللّه . [ 54 ] ثمّ بين صفة فسقهم وأعمالهم بقوله :
وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ
والأعمال كلها ، شرط قبولها ، الإيمان ، فهؤلاء ، لا إيمان لهم ، ولا عمل صالح . حتى إن الصلاة ، التي هي أفضل أعمال البدن ، إذا قاموا إليها ، قاموا كسالى ، وقد بين اللّه ذلك فقال :
وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى
أي : متثاقلون ، لا يكادون يفعلونها ، من ثقلها عليهم .
وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ
من غير انشراح الصدر ، وثبات نفس . ففي هذا ، غاية الذم ، لمن فعل مثل فعلهم . وأنه ينبغي للعبد ، أن لا يأتي الصلاة ، إلا وهو نشيط البدن ، والقلب إليها . ولا ينفق ، إلا وهو منشرح الصدر ، ثابت القلب ، يرجو ذخرها وثوابها من اللّه وحده ،