تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
يمكر فيها بدينه ، ويستهزئ به وبآياته ورسوله ، فإن اللّه تعالى يظهرها ويفضح صاحبها ، ويعاقبه أشد العقوبة . وأن من استهزأ بشيء من كتاب اللّه وسنة رسوله الثابتة عنه ، أو سخر بذلك ، أو تنقصه ، أو استهزأ بالرسول ، أو تنقصه ، فإنه كافر باللّه العظيم ، وأن التوبة مقبولة من كل ذنب ، وإن كان عظيما . [ 67 ] يقول تعالى :
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
لأنهم اشتركوا في النفاق ، فاشتركوا في تولّي بعضهم بعضا ، وفي هذا قطع للمؤمنين من ولايتهم . ثمّ ذكر وصف المنافقين العام ، الذي لا يخرج منه صغير منهم ولا كبير ، فقال :
يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ
وهو : الكفر ، والفسوق ، والعصيان .
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ
وهو : الإيمان ، والأخلاق الفاضلة ، والأعمال الصالحة ، والآداب الحسنة .
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ
عن الصدقة ، وطرق الإحسان ، فوصفهم بالبخل .
نَسُوا اللَّهَ
فلا يذكرونه إلا قليلا ،
فَنَسِيَهُمْ
من رحمته ، فلا يوفقهم لخير ، ولا يدخلهم الجنة ، بل يتركهم في الدرك الأسفل من النار ، خالدين فيها ، مخلدين .
إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ
حصر الفسق فيهم ، لأن فسقهم ، أعظم من فسق غيرهم ، بدليل أن عذابهم أشد من عذاب غيرهم ، وأن المؤمنين قد ابتلوا بهم ، إذ كانوا بين أظهرهم ، والاحتراز منهم شديد . [ 68 ]
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ
( 68 ) ، جمع المنافقين والكفار ، في نار جهنّم ، واللعنة والخلود في ذلك ، لاجتماعهم في الدنيا على الكفر ، والمعاداة للّه ورسوله ، والكفر بآياته . [ 69 ] يقول تعالى واصفا حال المنافقين : إن حالكم - أيها المنافقون - كحال أمثالكم ممن سبقوكم إلى النفاق والكفر ، وقد كانوا أقوى منكم وأكثر أموالا وأولادا ، استمتعوا بما قدر لهم من حظوظ الدنيا ، وأعرضوا عن ذكر اللّه وتقواه ، وقابلوا أنبياءهم بالاستخفاف ، وسخروا منهم فيما بينهم وبين أنفسهم . وقد استمتعتم بما قدر لكم من ملاذ الدنيا كما استمتعوا ، وخضتم فيما خاضوا فيه من المنكر والباطل . إنهم قد بطلت أعمالهم فلم تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة ، وكانوا هم الخاسرين ، وأنتم مثلهم في سوء الحال والمآل ، والعاقبة الوخيمة .
فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ
أي : بنصيبكم من الدنيا ، فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة ، معرضين عن المراد منه ، واستعنتم به على معاصي اللّه ، ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم ، كما فعل الّذين من قبلكم
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا
أي : وخضتم بالباطل والزور ، وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحقّ . فهذه أعمالهم وعلومهم ، استمتاع بالخلاق ، وخوض بالباطل ، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ، ما استحق من قبلهم ، ممن فعلوا كفعلهم . وأما المؤمنون منهم - وإن استمتعوا بنصيبهم ، وما خولوا من الدنيا - فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة اللّه . وأما علومهم فهي علوم الرسل ، وهي الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية ، والمجادلة بالحق ، لإدحاض الباطل . [ 70 ] يقول تعالى محذرا للمنافقين ، أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم المكذبة .
قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ