تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
اليقين ، من المبادرة لأمر اللّه ، والمسارعة إلى رضاه ، وجهاد أعدائه لدينكم . ف
ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
أي : تكاسلتم ، وملتم إلى الأرض ، والدعة ، والكون فيها .
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
أي : ما حالكم ، إلا حال من رضي بالدنيا ، وسعى لها ، ولم يبال بالآخرة ، فكأنه ما آمن بها .
فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
التي مالت بكم ، وقدمتموها على الآخرة
إِلَّا قَلِيلٌ
، أفليس قد جعل اللّه لكم عقولا ، تزنون بها الأمور ، وأيها أحق بالإيثار ؟ أفليست الدنيا - من أولها إلى آخرها - لا نسبة لها في الآخرة . فما مقدار عمر الإنسان القصير جدا من الدنيا ، حتى يجعله الغاية ، التي لا غاية وراءها ، فيجعل سعيه ، وكده ، وهمه ، وإرادته ، لا يتعدى الحياة الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار ، المشحونة بالأخطار . فبأي رأي رأيتم إيثارها على الدار الآخرة ، الجامعة لكل نعيم ، التي فيها ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين ، وأنتم فيها خالدون . فو اللّه ما آثر الدنيا على الآخرة ، من وقر الإيمان في قلبه ، ولا من جزل رأيه ، ولا من عدّ من أولي الألباب ، [ 39 ] ثمّ توعدهم على عدم النفير فقال :
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً
في الدنيا والآخرة ، فإن عدم النفير في حال الاستنفار ، من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب ، لما فيه من المضار الشديدة . فإن المتخلف ، قد عصى اللّه تعالى ، وارتكب لنهيه ، ولم يساعد على نصر دين اللّه ، ولا ذب عن كتاب اللّه وشرعه ، ولا أعان إخوانه المسلمين على عدوهم ، الذي يريد أن يستأصلهم ، ويمحق دينهم ، وربما اقتدى به غيره من ضعفاء الإيمان ، بل ربما فتّ في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء اللّه ، فحقيق بمن هذا حاله ، أن يتوعده اللّه بالوعيد الشديد ، فقال :
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً
، فإنه تعالى متكفل بنصرة دينه وإعلاء كلمته ، فسواء امتثلتم لأمر اللّه ، أو ألقيتموه وراءكم ظهريا .
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
لا يعجزه شيء أراده ، ولا يغالبه أحد . [ 40 ] أي : إلا تنصروا رسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاللّه غني عنكم ، لا تضرونه شيئا ، فقد نصره في أقل ما يكون
إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
من مكة ، لما هموا بقتله ، وسعوا في ذلك ، وحرصوا أشد الحرص ، فألجئوه إلى أن يخرج .
ثانِيَ اثْنَيْنِ
أي : هو وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنه
إِذْ هُما فِي الْغارِ
أي : لما هربا من مكة ، لجآ إلى غار ثور ، في أسفل مكة ، فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب . فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة ، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ليقتلوهما فأنزل اللّه عليهما من نصره ما لا يخطر على البال .
إِذْ يَقُولُ
النبي صلّى اللّه عليه وسلم
لِصاحِبِهِ
أبي بكر لما حزن واشتد قلقه ،
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
بعونه ونصره وتأييده .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
أي : الثبات والطمأنينة ، والسكون المثبتة للفؤاد ، ولهذا لما قلق صاحبه سكنه وقال
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
. . .
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها
وهي الملائكة الكرام ، الّذين جعلهم اللّه حرسا له ،
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى
أي : الساقطة المخذولة ، فإن الّذين كفروا ، كانوا على حرد قادرين ، في ظنهم أنهم يقدرون على قتل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأخذه ، حنقين عليه ، فعملوا غاية مجهودهم في ذلك ، فخذلهم اللّه ، ولم يتم لهم مقصودهم ، بل ولا أدركوا شيئا منه . ونصر اللّه رسوله ، بدفعه عنه ، وهذا هو النصر المذكور في هذا الموضع . فإن النصر على قسمين : نصر المسلمين إذا طمعوا في عدوهم ، بأن يتم اللّه لهم ما طلبوا ، وقصدوا ، ويستولوا على عدوهم ، ويظهروا عليهم . والثاني : نصر المستضعف ، الذي طمع فيه عدوه القادر ، فنصر اللّه إياه ، أن يرد عنه عدوه ، ويدافع عنه ، ولعل هذا النصر أنفع النصرين ، ونصر اللّه رسوله إذ أخرجه الّذين كفروا ثاني اثنين من هذا النوع . وقوله :
وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا
أي كلماته القدرية ، وكلماته الدينية ، هي العالية على كلمة غيره ، التي من جملتها قوله :
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
،
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ
( 51 ) ،
وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
( 173 ) ، فدين اللّه هو الظاهر العالي ، على سائر الأديان ، بالحجج الواضحة ،