تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية ، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى ، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه ، ويدعي أنه أرسله ، ولم يرسله . فإذا كان هذا شأنه ، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته ، فحقيق عليّ أن لا أكذب عليه ، ولا أقول عليه إلا الحقّ ، فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة ، وأخذني أخذ عزيز مقتدر . فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه ، خصوصا وقد جاءهم ببينة من اللّه واضحة ، على صحة ما جاء به من الحقّ فوجب عليهم ، أن يعملوا بمقصود رسالته ، ولها مقصودان عظيمان ، إيمانهم به ، واتباعهم له ، وإرسال بني إسرائيل ، الشعب الذي فضله اللّه على العالمين ، أولاد الأنبياء ، وسلسلة يعقوب عليه السّلام ، الذي موسى عليه الصلاة والسّلام واحد منهم . [ 106 - 107 ] فقال له فرعون :
إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ
في الأرض
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
أي : حية ظاهرة ، تسعى ، وهم يشاهدونها . [ 108 - 113 ]
وَنَزَعَ يَدَهُ
من جيبه
فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ
من غير سوء . فهاتان آيتان كبيرتان ، دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه ، وأنه رسول رب العالمين ، ولكن الّذين لا يؤمنون ، لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون ، حتى يروا العذاب الأليم . فلهذا
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ
حين بهرهم ما رأوا من الآيات ، ولم يؤمنوا ، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة :
إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
أي : ماهر في سحره . ثمّ خوفوا ضعفاء الأحلام ، وسفهاء العقول ، بأنه
يُرِيدُ
موسى بفعله هذا
أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ
أي : يريد أن يجليكم عن أوطانكم
فَما ذا تَأْمُرُونَ
أي : إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى ، وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم ، فإن ما جاء به ، إن لم يقابل بما يبطله ويدحضه ، وإلا دخل في عقول أكثر الناس ، فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون :
أَرْجِهْ وَأَخاهُ
أي احبسهما ، وأمهلهما ، وابعث في المدائن أناسا ، يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم ، أي : يجيئون بالسحرة المهرة ، ليقابلوا ما جاء به موسى ، فقالوا : يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى .
قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 ) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى
( 60 ) . وقال هنا :
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ
طالبين منه الجزاء إن غلبوا
قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ
؟ [ 114 - 115 ] ف
قالَ
فرعون :
نَعَمْ
لكم أجر
وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
. فوعدهم الأجر والتقريب ، وعلو المنزلة عنده ، ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم ، في مغالبة موسى . فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم
قالُوا
على وجه التألي وعدم المبالاة ، بما جاء به موسى :
يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ
ما معك
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
. [ 116 ]
قالَ
موسى :
أَلْقُوا
لأجل أن يرى الناس ما معهم ، وما مع موسى .
فَلَمَّا أَلْقَوْا
حبالهم وعصيهم ، إذا هي من سحرهم ، كأنها حيات تسعى ، وبذلك
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ