تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
[ 94 - 95 ] يقول تعالى :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ
يدعوهم إلى عبادة اللّه ، وينهاهم عن ما هم فيه من الشر ، فلم ينقادوا له :
إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها
أي : ابتلاهم اللّه
بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
أي : بالفقر ، والمرض ، وأنواع البلايا .
لَعَلَّهُمْ
إذا أصابتهم ، خضعت نفوسهم فهم
يَضَّرَّعُونَ
إلى اللّه ، ويستكينون للحق .
ثُمَّ
إذا لم يفد فيهم ، واستمر استكبارهم ، وازداد طغيانهم .
بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ
فأدرّ عليهم الأرزاق ، وعافى أبدانهم ، ورفع عنهم البلايا .
حَتَّى عَفَوْا
أي : كثروا ، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة اللّه وفضله ، ونسوا ما مر عليهم من البلايا .
وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ
أي : هذه عادة جارية ، لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين ، تارة يكونون في سراء وتارة في ضراء ، وتارة في فرح ، ومرة في ترح ، على حسب تقلبات الزمان ، وتداول الأيام ، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير ، ولا للاستدراج والنكير . حتى إذا اغتبطوا ، وفرحوا بما أوتوا ، وكانت الدنيا ، أسر ما كانت إليهم .
فَأَخَذْناهُمْ
بالعذاب
بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
أي : لا يخطر لهم الهلاك على بال ، وظنّوا أنهم قادرون على ما آتاهم اللّه ، وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه . [ 96 ] لما ذكر تعالى أن المكذبين للرسل ، يبتلون بالضراء ، موعظة وإنذارا ، وبالسراء ، استدراجا ومكرا ، ذكر أن أهل القرى ، لو آمنوا بقلوبهم ، إيمانا صادقا ، صدقته الأعمال ، واستعملوا تقوى اللّه تعالى ، ظاهرا وباطنا ، بترك جميع ما حرّم اللّه ، لفتح عليهم بركات من السماء والأرض ، فأرسل السماء عليهم مدرارا ، وأنبت لهم من الأرض ، ما به يعيشون ، وتعيش بهائمهم ، في أخصب عيش ، وأغزر رزق ، من غير عناء ولا تعب ، ولا كد ولا نصب ، ولكنهم لم يؤمنوا ويتقوا
فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
بالعقوبات والبلايا ، ونزع البركات ، وكثرة الآفات ، وهي بعض جزاء أعمالهم ، وإلا ، فلو أخذهم بجميع ما كسبوا ، ما ترك على ظهرها من دابة .
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 41 ) . [ 97 ]
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
أي : المكذبة ، بقرينة السياق
أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا
أي : عذابنا الشديد
بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ
أي : في غفلتهم ، وغرتهم ، وراحتهم . [ 98 ]
أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
( 98 ) أي : أي شيء يؤمنهم من ذلك ، وهم قد فعلوا أسبابه ، وارتكبوا من الجرائم العظيمة ، ما يوجب بعضه ، الهلاك ؟ [ 99 ]
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون ، ويملي لهم ، إن كيده متين ،
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
فإن من أمن من عذاب اللّه ، فإنه لم يصدق بالجزاء على الأعمال ، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان . وهذه الآية الكريمة ، فيها من التخويف البليغ ، على أن العبد ، لا ينبغي له أن يكون آمنا ، على ما معه من الإيمان . بل لا يزال خائفا وجلا ، أن يبتلى ببلية ، تسلب ما معه من الإيمان ، وأن لا يزال داعيا بقوله : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » ، وأن يعمل ويسعى ، في كل سبب يخلصه من الشر ، عند وقوع الفتن ، فإن العبد -