تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
ولو بلغت به الحال ما بلغت - فليس على يقين من السلامة . [ 100 ] يقول تعالى منبها للأمم الغابرين بعد هلاك الأمم الغابرين :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
، أي أو لم يتبين ويتضح ، للأمم الّذين ورثوا الأرض ، بعد إهلاك من قبلهم بذنوبهم ، ثمّ عملوا كأعمال أولئك المهلكين ؟ أو لم يهتدوا أن اللّه ، لو شاء لأصابهم بذنوبهم ، فإن هذه سنة في الأولين والآخرين . وقوله :
وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
أي : إذا نبههم اللّه ، فلم ينتبهوا ، وذكرهم ، فلم يتذكروا ، وهداهم بالآيات والعبر ، فلم يهتدوا ، فإن اللّه تعالى يعاقبهم ، ويطبع على قلوبهم ، فيعلوها الران والدنس ، حتى يختم عليها ، فلا يدخلها حق ، ولا يصل إليها خير ، ولا يسمعون ما ينفعهم ، وإنّما يسمعون ما به تقوم الحجة عليهم . [ 101 ]
تِلْكَ الْقُرى
الّذين تقدم ذكرهم
نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها
ما يحصل به عبرة للمعتبرين ، وازدجار للظالمين ، وموعظة للمتقين .
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
أي : جاءت هؤلاء المكذبين رسلهم ، تدعوهم إلى ما فيه سعادتهم ، وأيدهم اللّه بالمعجزات الظاهرة ، والبينات المبينات للحق ، بيانا كاملا ، ولكنهم لم يفدهم هذا ، ولا أغنى عنهم شيئا .
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ
أي : بسبب تكذيبهم ، وردهم الحقّ أول مرة ، ما كان يهديهم للإيمان ، جزاء لهم على ردهم الحقّ ، كما قال تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 110 ) .
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ
عقوبة منه . وما ظلمهم اللّه ولكنهم ظلموا أنفسهم . [ 102 ]
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ
أي : وما وجدنا لأكثر الأمم ، الّذين أرسل اللّه إليهم الرسل من عهد ، أي : من ثبات والتزام ، لوصية اللّه ، التي أوصى بها جميع العالمين ، ولا انقادوا لأوامره التي ساقها إليهم على ألسنة رسله .
وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
أي : خارجين عن طاعة اللّه ، متبعين لأهوائهم بغير هدى من اللّه ، فاللّه تعالى امتحن العباد بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب وأمرهم باتباع عهده وهداه ، فلم يمتثل لأمره إلا القليل من الناس ، الّذين سبقت لهم من اللّه ، سابقة السعادة . وأما أكثر الخلق ، فأعرضوا عن الهدى ، واستكبروا عما جاءت به الرسل ، فأحل اللّه بهم من عقوباته المتنوعة ما أحل . [ 103 ] أي : ثمّ بعثنا من بعد أولئك الرسل ، موسى الكليم ، الإمام العظيم ، والرسول الكريم ، إلى قوم عتاة جبابرة ، وهم فرعون وملؤه ، من أشرافهم وكبرائهم ، فأراهم من آيات اللّه العظيمة ما لم يشاهد له نظير
فَظَلَمُوا بِها
بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له ، فهو ظالم ، بل استكبروا عنها .
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
كيف أهلكهم اللّه ، وأتبعهم الذم واللعنة ، في الدنيا ، ويوم القيامة ، بئس الرفد المرفود . [ 104 - 105 ] وهذا مجمل فصله بقوله :
وَقالَ مُوسى
حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان ،
يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
أي : إني رسول من مرسل عظيم ، وهو رب العالمين ، الشامل للعالم العلوي والسفلي ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 335 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي