تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
[ 85 - 86 ] أي :
وَ
أرسلنا
إِلى مَدْيَنَ
القبيلة المعروفة
أَخاهُمْ
في النسب
شُعَيْباً
يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له ، ويأمرهم بإيفاء المكيال والميزان : وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم ، وأن لا يعثو في الأرض مفسدين ، بالإكثار من عمل المعاصي ، ولهذا قال :
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
، فإن ترك المعاصي ، امتثالا لأمر اللّه ، وتقربا إليه - خير ، وأنفع للعبد ، من ارتكابها الموجب لسخط الجبار ، وعذاب النار .
وَلا تَقْعُدُوا
للناس
بِكُلِّ صِراطٍ
أي : طريق من الطرق ، التي يكثر سلوكها ، تحذرون الناس منها
تُوعِدُونَ
من سلوكها
وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ
أي من أراد الاهتداء به
وَتَبْغُونَها عِوَجاً
أي : تبغون سبيل اللّه تكون معوجة ، وتميلونها ، اتباعا لأهوائكم . وقد كان الواجب عليكم وعلى غيركم ، الاحترام والتعظيم للسبيل التي نصبها اللّه لعباده ليسلكوها إلى مرضاته ، ودار كرامته ، ورحمهم بها أعظم رحمة ، وتصدون لنصرتها ، والدعوة إليها ، والذب عنها ، لا أن تكونوا أنتم قطاع طريقها ، الصادين الناس عنها ، فإن هذا كفر لنعمة اللّه ، ومحادة للّه ، وجعل أقوم الطرق وأعدلها ، ماثلة ، وتشنعون على من سلكها .
وَاذْكُرُوا
نعمة اللّه عليكم
إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ
أي : نماكم بما أنعم عليكم من الزوجات ، والنسل ، والصحة . وأنه ما ابتلاكم بوباء أو مرض من الأمراض المقللة لكم ، ولا سلط عليكم عدوا يجتاحكم ولا فرقكم في الأرض ، بل أنعم عليكم ، باجتماعكم . وإدرار الأرزاق ، وكثرة النسل .
وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
فإنكم لا تجدون في جموعهم إلا الشتات ، ولا في ربوعهم ، إلا الوحشة والانبتات . ولم يورثوا ذكرا حسنا ، بل أتبعوا في هذه الدنيا ، لعنة ، ويوم القيامة خزيا وفضيحة . [ 87 ]
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا
وهم الجمهور منهم .
فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ
فينصر المحق ، ويوقع العقوبة على المبطل . [ 88 ]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ
وهم الأشراف ، والكبراء منهم ، الّذين اتبعوا أهواءهم ، ولهوا بلذاتهم . فلما أتاهم الحقّ ، ورأوه غير موافق لأهوائهم الرديئة ، ردوه ، واستكبروا عنه . فقالوا لنبيهم شعيب ، ومن معه من المؤمنين المستضعفين :
لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
، استعملوا قوتهم السبعية ، في مقابلة الحقّ ، ولم يراعوا دينا ، ولا ذمة ، ولاحقا ، وإنّما راعوا ، واتبعوا أهواءهم ، وعقولهم السفيهة التي دلتهم على هذا القول الفاسد ، فقالوا : إما أن ترجع أنت ومن معك إلى ديننا أو لنخرجنكم من قريتنا . ف « شعيب » عليه الصلاة والسّلام ، كان يدعوهم ، طامعا في إيمانهم ، والآن لم يسلم ، حتى توعدوه إن لم يتابعهم - بالجلاء عن وطنه ، الذي هو ومن معه أحق به منهم .
قالَ
لهم شعيب عليه الصلاة والسّلام متعجبا من قولهم :
أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ
أي : أنتابعكم على دينكم وملتكم الباطلة ، ولو كنا كارهين لها لعلمنا ببطلانها ، فإنما يدعى إليها ، من له نوع رغبة فيها ، أما من يعلن بالنهي عنها ، والتشنيع على من اتبعها فكيف يدعى إليها ؟