تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
إليّ ، فأعمل به في نفسي ، وأدعو الخلق كلهم إلى ذلك . فإذا عرفت منزلتي ، فلأي شيء يبحث الباحث معي ، أو يطلب مني أمرا لست أدعيه . وهل يلزم الإنسان ، بغير ما هو بصدده ؟ ولأي شيء - إذا دعوتكم ، بما يوحى إليّ - تلزمونني أني أدعي لنفسي غير مرتبتي . وهل هذا ، إلا ظلم منكم ، وعناد ، وتمرد ؟ قل - لهم في بيان الفرق ، بين من قبل دعوتي ، وانقاد لما أوحي إليّ وبين من لم يكن كذلك -
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ
فتنزلون الأشياء منازلها ، وتختارون ما هو أولى بالاختيار والإيثار ؟ [ 51 ] هذا القرآن ، نذارة للخلق كلهم ، ولكن إنما ينتفع به
الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ
. فهم متيقنون للانتقال ، من هذه الدار ، إلى دار القرار ، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم .
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ
أي : من دون اللّه
وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ
أي : لا من يتولى أمرهم ؛ فيحصل لهم المطلوب ، ويدفع عنهم المحذور ، ولا من يشفع لهم ، لأن الخلق كلهم ، ليس لهم من الأمر شيء .
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
اللّه بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فإن الإنذار موجب لذلك ، وسبب من أسبابه . [ 52 ]
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
أي : لا تطرد عنك ، وعن مجالستك ، أهل العبادة والإخلاص ، رغبة في مجالسة غيرهم ، من الملازمين لدعاء ربهم ، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها ، ودعاء المسألة ، في أول النهار وآخره ، وهم قاصدون بذلك ، وجه اللّه ، ليس لهم من الأغراض ، سوى ذلك الغرض الجليل . فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم ، بل هم مستحقون لموالاتك إياهم ومحبتهم ، وإدنائهم ، وتقريبهم ، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء ، والأعزاء - في الحقيقة - وإن كانوا - عند الناس - أذلاء .
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
أي : كل له حسابه ، وله عمله الحسن ، وعمله القبيح .
فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
وقد امتثل صلى اللّه عليه وسلم هذا الأمر ، أشد امتثال . فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين ، صبر نفسه معهم ، وأحسن معاملتهم ، وألان لهم جانبه ، وحسن خلقه ، وقربهم منه ، بل كانوا هم ، أكثر أهل مجلسه رضي اللّه عنهم . وكان سبب نزول هذه الآيات ، أن أناسا من قريش ، أو من أجلاف العرب ، قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك ، فاطرد فلانا وفلانا ، أناسا من فقراء الصحابة ، فإنا نستحي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء . فحمله حبه لإسلامهم ، واتباعهم له ، فحدثته نفسه بذلك ، فعاتبه اللّه بهذه الآية ونحوها . [ 53 ]
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
أي : هذا ، من ابتلاء اللّه لعباده ، حيث جعل بعضهم غنيا ؛ وبعضهم فقيرا ، وبعضهم شريفا ، وبعضهم وضيعا . فإذا منّ اللّه بالإيمان على الفقير ، أو الوضيع ؛ كان محل محنة للغني والشريف . فإن كان قصده الحقّ واتباعه ، آمن وأسلم ، ولم يمنعه من ذلك مشاركة الذي يراه دونه ، بالغنى أو الشرف . وإن لم يكن صادقا في طلب الحقّ ، كانت هذه عقبة ترده عن اتباع الحقّ . وقالوا - محتقرين لمن يرونهم دونهم - :
أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
. فمنعهم هذا ، من اتباع الحقّ ، لعدم ذكائهم . قال اللّه - مجيبا لكلامهم ، المتضمن ، الاعتراض على اللّه في هداية هؤلاء ، وعدم هداية اللّه إياهم .
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ