تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ
أي : تتمكنون من صيده ، ليتم بذلك الابتلاء ، لا غير مقدور عليه بيد ولا رمح ، فلا يبقى للابتلاء فائدة . ثم ذكر الحكمة في ذلك الابتلاء فقال :
لِيَعْلَمَ اللَّهُ
علما ظاهرا للخلق يترتب عليه الثواب والعقاب
مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ
. فيكف عما نهى اللّه عنه ، مع قدرته عليه ، وتمكنه ، فيثيبه الثواب الجزيل ، ممن لا يخافه بالغيب ، فلا يرتدع من معصية تعرض له فيصطاد ما تمكن منه .
فَمَنِ اعْتَدى
منكم
بَعْدَ ذلِكَ
البيان ، الذي قطع الحجج ، وأوضح السبيل .
فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي : مؤلم موجع ، لا يقدر على وصفه إلا اللّه ، لأنه لا عذر لذلك المعتدي ، والاعتبار بمن يخافه بالغيب ، وعدم حضور الناس عنده . وأما إظهار مخافة اللّه عند الناس ، فقد يكون ذلك ، لأجل مخافة الناس ، فلا يثاب على ذلك .
[ 95 ] ثم خرج بالنهي ، عن قتل الصيد ، في حال الإحرام فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
أي :
محرمون في الحج والعمرة . والنهي عن قتله ، يشمل النهي عن مقدمات القتل ، وعن المشاركة في القتل ، والدلالة عليه ، والإعانة على قتله ، حتى إن من تمام ذلك ، أنه ينهى المحرم عن أكل ما قتل أو صيد لأجله . وهذا كله تعظيم لهذا النسك العظيم ، أنه يحرم على المحرم ، قتل وصيد ما كان حلالا له قبل الإحرام . وقوله :
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً
قتل صيدا عمدا ( ف ) عليه جزاء
مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
أي : الإبل ، أو البقر ، أو الغنم . فينظر ما يشبهه من ذلك ، فيجب عليه مثله ، يذبحه ويتصدق به . الاعتبار بالمماثلة
يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
أي : عدلان يعرفان الحكم ، ووجه الشبه ، كما فعل الصحابة رضي اللّه عنهم ، حيث قضوا بالحمامة شاة ، وفي النعامة بدنة ، وفي بقر الوحش - على اختلاف أنواعه - بقرة . هكذا كل ما يشبه شيئا من النعم ، ففيه مثله . فإن لم يشبه شيئا ، ففيه قيمته ، كما هو القاعدة في المتلفات . وذلك الهدي لا بد أن يكون
هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ
أي : يذبح في الحرم .
أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ
أي : كفارة ذلك الجزاء ، طعام مساكين ، أي : يجعل مقابل المثل من النعم ، طعام يطعم المساكين .
قال كثير من العلماء : يقوم الجزاء ، فيشترى بقيمته طعام ، فيطعم كل مسكين مدّ برّ أو نصف صاع من غيره .
أَوْ عَدْلُ ذلِكَ
الطعام
صِياماً
أي : يصوم عن إطعام كل مسكين يوما .
لِيَذُوقَ
بإيجاب الجزاء المذكور عليه
وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ
بعد ذلك
فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
. وإنما نص اللّه على المتعمد لقتل الصيد ، مع أن الجزاء يلزم المتعمد والمخطئ ، كما هو القاعدة الشرعية - أن المتلف للنفوس والأموال المحترمة ، فإنه يضمنها على أي حال كان ، إذا كان إتلافه بغير حق . لأن اللّه رتب عليه الجزاء والعقوبة والانتقام ، وهذا للمتعمد .
وأما المخطئ ، فليس عليه عقوبة ، إنما عليه الجزاء . هذا قول جمهور العلماء . والصحيح ، ما صرّحت به الآية ، أنه لا جزاء على غير المتعمد ، كما لا إثم عليه .
[ 96 ] ولما كان الصيد يشمل الصيد البري والبحري ، استثنى تعالى ، الصيد البحري فقال :
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ
أي : أحل لكم - في حال إحرامكم - صيد البحر وهو : الحي من حيواناته ، وطعامه ، وهو : الميت منها ، فدل ذلك على حل ميتة البحر .
مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ
أي : الفائدة في إباحته لكم أنه لأجل انتفاعكم ، وانتفاع رفقتكم ، الّذين يسيرون معكم .
وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً
. ويؤخذ من لفظ « الصيد » أنه لا بد أن يكون وحشيا لأن الإنسي ليس بصيد . ومأكولا ، فإن غير المأكول ، لا يصاد ، ولا يطلق عليه اسم الصيد .
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
أي : اتقوه بفعل ما أمر به ، وترك ما نهى عنه . واستعينوا على تقواه بعلمكم أنكم إليه تحشرون . فيجازيكم ، هل قمتم بتقواه فيثيبكم الثواب الجزيل ، أم لم تقوموا ، فيعاقبكم ؟
[ 97 ] يخبر تعالى ، أنه جعل
الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ
. يقوم ، بالقيام بتعظيمه ، دينهم ودنياهم ، فبذلك يتم إسلامهم ، وبه تحط أوزارهم ، وتحصل لهم - بقصده - العطايا الجزيلة ، والإحسان الكثير . وبسببه تنفق الأموال ، وتقتحم - من أجله - الأهوال . ويجتمع فيه ، من كل فج عميق ، جميع أجناس المسلمين ، فيتعارفون ،