تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
أعينهم ، بحسب ما سمعوا من الحق الذي تيقنوه ، فلذلك آمنوا ، وأقروا به فقالوا :
رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
وهم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، يشهدون للّه بالتوحيد ، ولرسله بالرسالة ، وصحة ما جاءوا به ، ويشهدون على الأمم السابقة ، بالتصديق والتكذيب . وهم عدول ، شهادتهم مقبولة ، كما قال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
. [ 84 ] فكأنهم ليموا على إيمانهم ، ومسارعتهم فيه ، فقالوا :
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
( 84 ) أي : وما الذي يمنعنا ، من الإيمان باللّه ، والحال ، أنه قد جاءنا الحق من ربنا ، الذي لا يقبل الشك والريب . ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق ، طمعنا أن يدخلنا اللّه الجنة ، مع القوم الصالحين . فأي مانع يمنعنا ؟ أليس ذلك موجبا للمسارعة والانقياد للإيمان ، وعدم التخلف عنه . [ 85 ] قال اللّه تعالى :
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا
أي : بما تفوهوا به من الإيمان ، ونطقوا به من التصديق بالحق .
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ
. وهذه الآيات ، نزلت في النصارى الّذين آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، كالنجاشي وغيره ، ممن آمن منهم . وكذلك لا يزال يوجد فيهم ، من يختار دين الإسلام ، ويتبين له بطلان ما كانوا عليه ، وهم أقرب من اليهود والمشركين ، إلى دين الإسلام . [ 86 ] ولما ذكر ثواب المحسنين ، ذكر عقاب المسيئين فقال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
( 10 ) لأنهم كفروا باللّه ، وكذبوا بآياته المبينة للحق . [ 87 ] يقول تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
من المطاعم والمشارب ، فإنها نعم أنعم اللّه بها عليكم ، فاحمدوه ، إذ أحلها لكم ، واشكروه ، ولا تردوا نعمته بكفرها ، أو عدم قبولها ، أو اعتقاد تحريمها . فتجمعوا بذلك بين قول الكذب على اللّه ، وكفر النعمة ، واعتقاد الحلال الطيب ، حراما خبيثا ، فإن هذا من الاعتداء . واللّه قد نهى عن الاعتداء فقال :
وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
بل يبغضهم ويمقتهم ، ويعاقبهم على ذلك . [ 88 ] ثم أمر بضد ما عليه المشركون ، الّذين يحرمون ، ما أحل اللّه فقال :
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
أي : كلوا من رزقه الذي ساقه إليكم ، بما يسره من الأسباب ، إذ كان حلالا ، لا سرقة ، ولا غصبا ، ولا غير ذلك ، من أنواع الأموال ، التي تؤخذ بغير حق . وكان أيضا طيبا ، وهو : الذي لا خبث فيه . فخرج بذلك الخبيث من السباع والخبائث .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في امتثال أوامره ، واجتناب نواهيه .
الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ
فإن إيمانكم باللّه ، يوجب عليكم تقواه ومراعاة حقه . فإنه لا يتم إلا بذلك . ودلّت الآية الكريمة ، على أنه إذا حرم حلالا عليه ، من طعام ، وشراب ، وسرية ، وأمة ، ونحو ذلك ، فإنه لا يكون حراما بتحريمه . لكن لو فعله ، فعليه كفارة يمين ، كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
الآية . إلا أن تحريم الزوجة ، فيه كفارة ظهار . ويدخل في هذه الآية ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 263 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي