تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
للعداوة والبغضاء . ومنها : أن هذه الأشياء تصد القلب ، وتبعد البدن عن ذكر اللّه ، وعن الصلاة ، اللذين خلق لهما العبد ، وبهما سعادته . فالخمر والميسر ، يصدانه عن ذلك أعظم صد ، ويشتغل قلبه ، ويذهل لبه في الاشتغال بهما ، حتى يمضي عليه مدة طويلة ، وهو لا يدري أين هو . فأي معصية أعظم وأقبح ، من معصية تدنس صاحبها ، وتجعله من أهل الخبث ، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه ، فينقاد له ، كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها ، وتحول بين العبد ، وبين فلاحه ، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين ، وتصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة ؟ فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها ؟ [ 91 ] ولهذا عرض تعالى ، على العقول السليمة ، النهي عنها ، عرضا بقوله :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
. لأن العاقل - إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد - انزجر عنها ، وكفت نفسه ، ولم يحتج إلى وعظ كثير ، ولا زجر بليغ . [ 92 ] طاعة اللّه وطاعة رسوله ، واحدة ، فمن أطاع اللّه ، فقد أطاع الرسول ، ومن أطاع الرسول ، فقد أطاع اللّه . وذلك شامل للقيام ، بما أمر اللّه به ورسوله ، من الأعمال ، والأقوال الظاهرة ، والباطنة ، الواجبة والمستحبة ، المتعلقة بحقوق اللّه ، وحقوق خلقه ، والانتهاء عما نهى اللّه ورسوله عنه ، كذلك . وهذا الأمر أعم الأوامر ، فإنه كما ترى يدخل فيه كل أمر ونهي ، ظاهر ، وباطن . وقوله :
وَاحْذَرُوا
أي : من معصية اللّه ، ومعصية رسوله ، فإن في ذلك ، الشر والخسران المبين .
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
عمّا أمرتم به ، ونهيتم عنه .
فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
وقد أدى ذلك . فإن اهتديتم فلأنفسكم ، وإن أسأتم فعليها ، واللّه هو الذي يحاسبكم . والرسول قد أدى ما عليه ، وما حمل به . [ 93 ] لما نزل تحريم الخمر ، والنهي الأكيد والتشديد فيه ، تمنى أناس من المؤمنين ، أن يعلموا حال إخوانهم ، الّذين ماتوا على الإسلام ، قبل تحريم الخمر ، وهم يشربونها . فأنزل اللّه هذه الآية ، وأخبر تعالى أنه
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ
أي : حرج وإثم
فِيما طَعِمُوا
من الخمر والميسر قبل تحريمهما . ولما كان نفي الجناح ، يشمل المذكورات وغيرها ، قيد ذلك بقوله :
إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
أي : بشرط أنهم تاركون للمعاصي ، مؤمنون باللّه إيمانا صحيحا ، موجبا لهم عمل الصالحات ، ثم استمروا على ذلك . وإلا ، فقد يتصف العبد بذلك ، في وقت دون آخر . فلا يكفي ، حتى يكون كذلك ، حتى يأتيه أجله ، ويدوم على إحسانه ، فإن اللّه يحب المحسنين في عبادة الخالق ، المحسنين في نفع العبيد . ويدخل في هذه الآية الكريمة ، من طعم المحرم ، أو فعل غيره بعد التحريم ، ثم اعترف بذنبه ، وتاب إلى اللّه ، واتقى وعمل صالحا ، فإن اللّه يغفر له ، ويرتفع عنه الإثم في ذلك . [ 94 ] هذا من منن اللّه على عباده ، أن أخبرهم بما سيفعل قضاء وقدرا ، ليطيعوه ، ويقدموا على بصيرة ، ويهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة . فقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لا بد أن يختبر اللّه إيمانكم .
لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ
أي : بشيء غير كثير ، فتكون محنة يسيرة ، تخفيفا منه تعالى ولطفا . وذلك الصيد الذي يبتليكم اللّه به
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 265 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي