تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
[ 79 ] ومن معاصيهم التي أحلت بهم المثلات ، وأوقعت بهم العقوبات أنهم :
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ
أي : كانوا يفعلون المنكر ، ولا ينهى بعضهم بعضا . فيشترك بذلك المباشر وغيره ، الذي سكت عن النهي عن المنكر ، مع قدرته على ذلك . وذلك يدل على تهاونهم بأمر اللّه ، وأن معصيته خفيفة عليهم . فلو كان لديهم تعظيم لربهم ، لغاروا لمحارمه ، ولغضبوا لغضبه . وإنما كان السكوت عن المنكر - مع القدرة - موجبا للعقوبة ، لما فيه من المفاسد العظيمة . منها : أن مجرد السكوت ، فعل معصية ، وإن لم يباشرها الساكت . فإنه - كما يجب اجتناب المعصية - فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية . ومنها : ما تقدم ، أنه يدل على التهاون بالمعاصي ، وقلة الاكتراث بها . ومنها : أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة ، على الإكثار من المعاصي ، إذا لم يردعوا عنها ، فيزداد الشر ، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية ، ويكون لهم الشوكة والظهور . ثم بعد ذلك ، يضعف أهل الخير ، عن مقاومة أهل الشر ، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أولا . ومنها : أنه - بترك الإنكار للمنكر - يندرس العلم ، ويكثر الجهل . فإن المعصية - مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص ، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية ، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة . وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرّم اللّه ، حلالا ؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا ؟ ومنها : أن بالسكوت على معصية العاصين ، ربما تزينت المعصية في صدور الناس ، واقتدى بعضهم ببعض . فالإنسان ، مولع بالاقتداء بأحزابه ، وبني جنسه . ومنها ومنها . فلما كان السكوت على الإنكار بهذه المثابة ، نص اللّه تعالى ، أن بني إسرائيل الكفار منهم ، لعنهم بمعاصيهم ، واعتدائهم ، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم . [ 80 ]
لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
.
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بالمحبة والموالاة والنصر .
لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ
البضاعة الكاسدة ، والصفقة الخاسرة . وهي : سخط اللّه ، الذي يسخط لسخطه كل شيء ، والخلود الدائم في العذاب العظيم . فقد ظلمتهم أنفسهم ، حيث قدمت لهم ، هذا النزل ، غير الكريم . وقد ظلموا أنفسهم إذ فوتوها النعيم المقيم . [ 81 ]
وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ
. فإن الإيمان باللّه وبالنبي ، وما أنزل إليه ، يوجب على العبد موالاة ربه ، وموالاة أوليائه ، ومعاداة من كفر به وعاداه ، وأوضع في معاصيه . فشرط ولاية اللّه والإيمان به ، أن لا يتخذ أعداء اللّه أولياء . وهؤلاء لم يوجد منهم الشرط ، فدل على انتفاء المشروط .
وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ
أي : خارجون عن طاعة اللّه والإيمان به ، وبالنبي . ومن فسقهم ، موالاة أعداء اللّه . [ 82 ] ثم قال تعالى :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً
إلى
أَصْحابُ الْجَحِيمِ
. يقول تعالى - في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين ، وإلى ولايتهم ، ومحبتهم ، وأبعدهم من ذلك :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا
. فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق ، أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين ، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم . وذلك ، لشدة بغضهم لهم ، بغيا ، وحسدا ، وعنادا ، وكفرا .
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى
. وذكر تعالى لذلك عدة أسباب : منها : أن
مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً
أي : علماء متزهدين ، وعبّادا في الصوامع متعبدين . والعلم مع الزهد ، وكذلك العبادة - مما يلطف القلب ويرققه ، ويزيل عنه ما فيه ، من الجفاء والغلظة ، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود ، وشدة المشركين . ومنها :
أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
أي : ليس فيهم تكبر ولا عتو ، عن الانقياد للحق . وذلك موجب لقربهم من المسلمين ، ومن محبتهم . فإن المتواضع ، أقرب إلى الخير ، من المستكبر . [ 83 ] ومنها : أنهم
إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أثر ذلك في قلوبهم وخشعوا له ، وفاضت
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 262 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي