تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وأمسكوه ، وضنوا به على عباد اللّه ، وظنوا أنه خير لهم ، بل هو شر لهم ، في دينهم ودنياهم ، وعاجلهم وآجلهم .
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
، أي : يجعل ما بخلوا به ، طوقا في أعناقهم ، يعذبون به كما ورد في الحديث الصحيح . « إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة ، شجاعا أقرع ، له زبيبتان ، يأخذ بلهزمتيه يقول : أنا مالك ، أنا كنزك » . وتلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مصداق ذلك هذه الآية . فهؤلاء حسبوا أن بخلهم نافعهم ، ومجد عليهم ، فانقلب عليهم الأمر ، وصار من أعظم مضارهم ، وسبب عقابهم .
وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : هو تعالى ، مالك الملك ، وترد جميع الأملاك إلى مالكها ، وينقلب العباد من الدنيا ، ما معهم درهم ولا دينار ، ولا غير ذلك من المال . قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ
( 40 ) ، وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب النهائي ، الموجب كل واحد ، منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه اللّه . أخبر أولا : أن الذي عنده وفي يده ، فضل من اللّه ونعمة ، ليس ملكا للعبد ، بل لولا فضل اللّه عليه وإحسانه ، لم يصل إليه منه شيء ، فمنعه ذلك ، منع لفضل اللّه وإحسانه ؛ ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال تعالى :
وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
. فمن تحقق أن ما بيده ، هو فضل من اللّه ، لم يمنع الفضل الذي لا يضره ، بل ينفعه في قلبه وماله ، وزيادة إيمانه ، وحفظه من الآفات . ثم ذكر ثانيا أن هذا الذي بيد العباد كله ، يرجع إلى اللّه ، ويرثه تعالى ، وهو خير الوارثين ، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك ، منتقل إلى غيرك . ثم ذكر ثالثا ، السبب الجزائي ، فقال :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
، فإذا كان خبيرا بأعمالكم جميعا - ويستلزم ذلك ، الجزاء الحسن ، على الخيرات ، والعقوبات على الشر - لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن الإنفاق الذي يجزى به الثواب ، ولا يرضى بالإمساك ، الذي به العقاب . [ 181 - 182 ] يخبر تعالى ، عن قول هؤلاء المتمردين ، الذين قالوا أقبح المقالة ، وأشنعها ، وأسمجها . فأخبر أنه قد سمع ما قالوه ، وأنه سيكتبه ويحفظه ، مع أفعالهم الشنيعة ، وهو : قتلهم الأنبياء الناصحين ، وأنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة ، وأنه يقال لهم - بدل قولهم إن اللّه فقير ونحن أغنياء -
ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
المحرق النافذ من البدن إلى الأفئدة ، وأن عذابهم ليس ظلما من اللّه لهم ، فإنه
لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
، فإنه منزه عن ذلك . وإنما
لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
من المخازي والقبائح ، التي أوجبت استحقاقهم العذاب ، وحرمانهم الثواب . وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية ، نزلت في قوم من اليهود ، تكلموا بذلك ، وذكروا منهم « فنحاص بن عازوراء » من رؤساء علماء اليهود في المدينة ، وأنه لما سمع قول اللّه تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً *
،
وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
، قال : - على وجه التكبر والتجرؤ - هذه المقالة قبحه اللّه . فذكرها اللّه عنهم ، وأخبر أنه ليس ببدع من شنائعهم ، بل قد سبق لهم من الشنائع ، ما هو نظير ذلك ، وهو : قتلهم الأنبياء بغير حق . هذا القيد يراد به ، أنهم تجرءوا على قتلهم ، مع علمهم بشناعته ، لا جهلا وضلالا ، بل تمردا وعنادا . [ 183 ] يخبر تعالى عن حال هؤلاء المفترين القائلين :
إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا
، أي : تقدم إلينا ، وأوصى ، أن لا