تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ
من شدة رغبتهم فيه ، وحرصهم عليه
إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
، فاللّه ناصر دينه ، ومؤيد رسوله ، ومنفذ أمره من دونهم ، فلا تبالهم ولا تحفل بهم ، إنما يضرون ، ويسعون في ضرر أنفسهم ، بفوات الإيمان في الدنيا ، وحصول العذاب الأليم في الأخرى ، من هوانهم على اللّه ، وسقوطهم من عينه ، وإرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة ، ثوابه خذلهم فلم يوفقهم ، لما وفق إليه أولياءه ، ومن أراد به خيرا ، عدلا منه وحكمة ، لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى ، ولا قابلين للرشاد ، لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم . [ 177 ] ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان ، ورغبوا فيه ، رغبة من بذل ما يحب من المال ، في شراء ما يحب من السلع
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
، بل ضرر فعلهم ، يعود على أنفسهم ، ولهذا قال :
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
، وكيف يضرون اللّه شيئا ، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان ، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن ؟ فاللّه غني عنهم . وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم ، وأعد له - ممن ارتضاه لنصرته - أهل البصائر والعقول ، وذوي الألباب من الرجال الفحول . قال اللّه تعالى :
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً
( 107 ) الآيات . [ 178 ] أي : ولا يظن الذين كفروا بربهم ، ونابذوا دينه ، وحاربوا رسوله أن تركنا إياهم في هذه الدنيا ، وعدم استئصالنا لهم ، وإملائنا لهم - خير لأنفسهم - ، ومحبة منا [ لهم ] « 1 » . كلا ، ليس الأمر كما زعموا ، وإنما ذلك لشر ، يريده اللّه بهم ، وزيادة عذاب وعقوبة إلى عذابهم ، ولهذا قال :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ
. فاللّه تعالى يملي للظالم ، حتى يزداد طغيانه ، ويترادف كفرانه ، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر . فليحذر الظالمون من الإمهال ، ولا يظنوا ، أن يفوتوا الكبير المتعال . [ 179 ] أي : ما كان في حكمة اللّه أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط ، وعدم التمييز ، حتى يميز الخبيث من الطيب ، والمؤمن من المنافق ، والصادق من الكاذب . ولم يكن في حكمته أيضا ، أن يطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من عباده ، فاقتضت حكمته الباهرة ، أن يبتلي عباده ، ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب ، من أنواع الابتلاء والامتحان ، فأرسل اللّه رسله ، وأمر بطاعتهم ، والانقياد لهم ، والإيمان بهم ، ووعدهم - على الإيمان والتقوى - الأجر العظيم . فانقسم الناس - بحسب اتباعهم للرسل - قسمين : مطيعين وعاصين ، ومؤمنين ومنافقين ، ومسلمين وكافرين . ليرتب على ذلك الثواب والعقاب ، وليظهر عدله وفضله ، وحكمته لخلقه . [ 180 ] أي : ولا يظن الذين يبخلون ، أي : يمنعون ما عندهم مما آتاهم اللّه من فضله ، من المال ، والجاه ، والعلم ، وغير ذلك مما منحهم اللّه ، وأحسن إليهم به ، وأمر هم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده ، فبخلوا بذلك ،
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين أيدينا ، وهو موافق للسياق .