تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
اللّه : إنكم :
قَدْ أَصَبْتُمْ
من المشركين
مِثْلَيْها
فقتلتم سبعين من كبارهم ، وأسرتم سبعين . فليهن الأمر ولتخف المصيبة عليكم ، مع أنكم لا تستوون ، أنتم وهم . فإن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار ] « 1 » . [ 165 - 166 ]
قُلْتُمْ أَنَّى هذا
، أي : من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا ؟
قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ
حين تنازعتم ، وعصيتم ، من بعد ما أراكم ما تحبون ، فعودا على أنفسكم باللوم ، واحذروا من الأسباب المردية .
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فإياكم وسوء الظن باللّه ، فإنه قادر على نصركم ، ولكن له أتم الحكمة ، في ابتلائكم ، ومصيبتكم .
ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ
. ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان ، جمع المسلمين ، وجمع المشركين في « أحد » من القتل والهزيمة ، أنه بإذنه ، وقضائه وقدره ، لا مرد له ، ولا بد من وقوعه . والأمر القدري - إذا نفذ ، لم يبق إلا التسليم له ، وأنه قدره ، لحكم عظيمة وفوائد جسيمة ، وأنه ليتبين بذلك ، المؤمن من المنافق ، الذين لما أمروا بالقتال . [ 167 ]
وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
، أي : ذبّا عن دين اللّه ، وحماية له ، وطلبا لمرضاة اللّه ،
أَوِ ادْفَعُوا
عن محارمكم وبلدكم ، إن لم تكن لكم نية صالحة . فأبوا ذلك واعتذروا بأن
قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ
، أي : لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال ، لاتبعناكم ، وهم كذبة في هذا . قد علموا وتيقنوا وعلم كل أحد ، أن هؤلاء المشركين ، قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين ، بما أصابوا منهم ، وأنهم قد بذلوا أموالهم ، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد ، وأقبلوا في جيش عظيم ، قاصدين المؤمنين في بلدهم ، متحرقين على قتالهم . فمن كانت هذه حالهم ، كيف يتصور أنه لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال ؟ خصوصا وقد خرج المسلمون من المدينة ، وبرزوا لهم ، هذا من المستحيل ، ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر ، يروج على المؤمنين . قال تعالى :
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ
، أي : في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين
أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
. وهذه خاصة المنافقين ، يظهرون بكلامهم وفعالهم ، ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم . ومنه قولهم :
لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ
، فإنهم علموا وقوع القتال . ويستدل بهذه الآية على قاعدة « ارتكاب أخف المفسدتين » لدفع أعلاهما ، وفعل أدنى المصلحتين ، للعجز عن أعلاهما ، لأن المنافين أمروا أن يقاتلوا للدين ، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ
فيبديه لعباده المؤمنين ، ويعاقبهم عليه . [ 168 ] ثم قال تعالى :
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا
، أي : جمعوا بين التخلف عن الجهاد ، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء اللّه وقدره ، قال اللّه ردا عليهم :
قُلْ فَادْرَؤُا
، أي : ادفعوا
عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
، أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا ، لا تقدرون على ذلك ، ولا تستطيعونه . وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر ، وخصلة إيمان ، وقد تكون إحداهما ، أقرب من الأخرى .
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين أيدينا ، وهو موافق للسياق .