تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
نؤمن لرسول ، حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فجمعوا بين الكذب على اللّه ، وحصر آية الرسل بما قالوه ، من هذا الإفك المبين ، وأنهم إن لم يؤمنوا برسول ، لم يأتهم بقربان تأكله النار ، فهم - في ذلك - مطيعون لربهم ، ملتزمون عهده . وقد علم أن كل رسول يرسله اللّه ، يؤيده من الآيات والبراهين ، بما على مثله آمن البشر ، ولم يقصرها على ما قالوه ، ومع هذا ، فقد قالوا إفكا لم يلتزموه ، وباطلا لم يعملوا به . ولهذا أمر اللّه رسوله أن يقول لهم :
قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ
الدالات على صدقهم
وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
، بأن أتاكم بقربان تأكله النار
فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
، أي : في دعواكم الإيمان برسول يأتيكم بقربان تأكله النار ، فقد تبين بهذا كذبهم ، وعنادهم ، وتناقضهم . [ 184 ] ثم بشر رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فقال :
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
، أي : هذه عادة الظالمين ، ودأبهم ، الكفر باللّه ، وتكذيب رسل اللّه ، وليس تكذيبهم لرسل اللّه ، عن تصور بما أتوا به ، أو عدم تبين حجة ، بل قد
جاؤُ بِالْبَيِّناتِ
، أي : الحجج العقلية ، والبراهين النقلية .
وَالزُّبُرِ
، أي : الكتب المزبورة ، المنزلة من السماء ، التي لا يمكن أن يأتي بها غير الرسل .
وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ
للأحكام الشرعية ، وبيان ما اشتملت عليه من المحاسن العقلية ، ومنير أيضا للأخبار الصادقة ، فإذا كان هذا عادتهم في عدم الإيمان بالرسل ، الذين هذا وصفهم ، فلا يحزنك أمرهم ، ولا يهمك شأنهم . [ 185 ] ثم قال تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
، الآية . هذه الآية الكريمة ، فيها التزهيد في الدنيا بفنائها ، وعدم بقائها ، وأنها متاع الغرور ، تفتن بزخرفها ، وتخدع بغرورها ، وتغر بمحاسنها ، ثم هي منتقلة ، ومنتقل عنها ، إلى دار القرار ، التي توفى فيها النفوس ، ما عملت في هذه الدار ، من خير وشر .
فَمَنْ زُحْزِحَ
، أي : أخرج ،
عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
، أي : حصل له الفوز العظيم ، بالنجاة من العذاب الأليم ، والوصول إلى جنات النعيم ، التي فيها ، ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . ومفهوم الآية ، أن من لم يزحزح عن النار ، ويدخل الجنة ، فإنه لم يفز ، بل قد شقي الشقاء الأبدي ، وابتلي بالعذاب السرمدي . وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ ، وعذابه ، وأن العاملين يجزون فيه بعض الجزاء ، مما عملوه ، ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه . يفهم هذا من قوله :
وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
، أي : توفية الأعمال التامة ، إنما يكون يوم القيامة ، وأما ما دون ذلك ، فيكون في البرزخ . بل قد يكون قبل ذلك في الدنيا كقوله :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ
. [ 186 ] يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم ، من النفقات الواجبة والمستحبة ، من التعريض لإتلافها ، في سبيل اللّه ، وفي أنفسهم من التكليف بأعباء التكاليف الثقيلة ، على كثير من الناس ، كالجهاد في سبيل اللّه ، والتعرض فيه للتعب ، والقتل ، والأسر ، والجراح ، وكالأمراض التي تصيبه في نفسه ، أو فيمن يحب .
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً
من الطعن فيكم ، وفي
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 165 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي