تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
أهل البدع . ودلت الآية بمفهومها ، على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير ، واتباع الحق ، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة ، أنه غير مذموم . بل هذا من الأمور المطلوبة ، التي أخبر اللّه أنه يجزي بها المحسنين ، في الأعمال والأقوال ، وأنه جازى بها خواص خلقه ، وسألوها منه . كما قال إبراهيم عليه السلام :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
( 84 ) . وقال :
سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ( 79 ) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
( 80 ) ، وقد قال عباد الرحمن :
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
، وهي من نعم الباري على عبده ، ومننه التي تحتاج إلى الشكر . [ 189 ] أي : هو المالك للسماوات والأرض وما فيهما ، من سائر أصناف الخلق ، المتصرف فيهم ، بكمال القدرة ، وبديع الصنعة ، فلا يمتنع عليه منهم أحد ، ولا يعجزه أحد . [ 190 ] يخبر تعالى :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
( 190 ) ، وفي ضمن ذلك ، حث العباد على التفكر فيها ، والتبصر بآياتها ، وتدبر خلقها . وأبهم قوله :
لَآياتٍ
، ولم يقل : « على المطلب الفلاني » إشارة لكثرتها وعمومها . وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة ، ما يبهر الناظرين ، ويقنع المتفكرين ، ويجذب أفئدة الصادقين ، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية . فأما تفصيل ما اشتملت عليه ، فلا يمكن مخلوقا أن يحصره ، ويحيط ببعضه ، وفي الجملة ، فما فيها من العظمة والسعة ، وانتظام السير والحركة ، يدل على عظمة خالقها ، وعظمة سلطانه وشمول قدرته ، وما فيها من الإحكام والإتقان ، وبديع الصنع ، ولطائف الفعل ، يدل على حكمة اللّه ، ووضعه الأشياء مواضعها ، وسعة علمه ، وما فيها من المنافع للخلق ، يدل على سعة رحمة اللّه ، وعموم فضله ، وشمول بره ، ووجوب شكره . وكل ذلك يدل على تعلق القلب بخالقها ومبدعها ، وبذل الجهد في مرضاته ، وأن لا يشرك به سواه ، ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره ، مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . وخص اللّه بالآيات ، أولي الألباب ، وهم أهل العقول ؛ لأنهم هم المنتفعون بها ، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم . [ 191 ] ثم وصف أولي الألباب بأنهم
يَذْكُرُونَ اللَّهَ
في جميع أحوالهم .
قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
، وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب ، ويدخل في ذلك الصلاة قائما ، فإن لم يستطع فقاعدا ، فإن لم يستطع فعلى جنب . وأنهم
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، أي : ليستدلوا بها على المقصود منها ، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء اللّه العارفين ، فإذا تفكروا بها ، عرفوا أن اللّه لم يخلقها عبثا فيقولون :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ
، عن كل ما لا يليق بجلالك ، بالحق وللحق ، بل خلقتها مشتملة على الحق .
فَقِنا عَذابَ النَّارِ
، بأن تعصمنا من السيئات ، وتوفقنا للأعمال الصالحات ، لننال بذلك النجاة من النار . ويتضمن ذلك سؤال الجنة ، لأنهم - إذا وقاهم اللّه عذاب النار - حصلت لهم الجنة . ولكن لما قام الخوف بقلوبهم ، دعوا اللّه بأهم الأمور عندهم . [ 192 ]
رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
، أي : لحصوله على السخط من اللّه ، ومن ملائكته ، وأوليائه ، ووقوع الفضيحة ، التي لا نجاة منها ، ولا منقذ منها . ولهذا قال :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
ينقذونهم من عذابه ،
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 167 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي