تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
[ 169 ] هذه الآيات الكريمات ، فيها فضل الشهداء وكرامتهم ، وما منّ اللّه عليهم به ، من فضله وإحسانه ، وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم ، وتعزيتهم ، وتنشيطهم للقتال في سبيل اللّه ، والتعرض للشهادة ، فقال :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
، أي : في جهاد أعداء الدين ، قاصدين بذلك إعلاء كلمة اللّه .
أَمْواتاً
، أي : لا يخطر ببالك وحسبانك ، أنهم ماتوا وفقدوا ، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا ، والتمتع بزهرتها ، الذي يحذر من فواته ، من جبن عن القتال ، وزهد في الشهادة .
بَلْ
قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون . فهم
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
في دار كرامته . ولفظ :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
يقتضي علو درجتهم ، وقربهم من ربهم .
يُرْزَقُونَ
من أنواع النعيم ، الذي لا يعلم وصفه ، إلا من أنعم به عليهم . ومع هذا صاروا
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
، أي : مغتبطون بذلك . وقد قرت به عيونهم ، وفرحت به نفوسهم ، وذلك لحسنه ، وكثرته ، وعظمته ، وكمال اللذة في الوصول إليه ، وعدم المنغص . [ 170 ] فجمع اللّه لهم ، بين نعيم البدن بالرزق ، ونعيم القلب والروح ، بالفرح بما آتاهم من فضله : فتم لهم النعيم والسرور ، وجعلوا
يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ
، أي : يبشر بعضهم بعضا ، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم ، وأنهم سينالون ما نالوا .
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
، أي : يستبشرون بزوال المحذور عنهم ، وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور . [ 171 ]
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ
، أي : يهنئ بعضهم بعضا ، بأعظم مهنأ به ، وهو : نعمة ربهم ، وفضله ، وإحسانه .
وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
بل ينميه ويشكره ، ويزيده من فضله ، ما لا يصل إليه سعيهم . وفي هذه الآيات ، إثبات نعيم البرزخ ، وأن الشهداء ، في أعلى مكان عند ربهم ، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير ، وزيارة بعضهم بعضا [ وتبشير بعضهم بعضا ] « 1 » . [ 172 - 173 ] لما رجع النبي صلى اللّه عليه وسلم من « أحد » إلى المدينة ، ندب أصحابه إلى الخروج ، فخرجوا - على ما بهم من الجراح - استجابة للّه ولرسوله ، فوصلوا إلى « حمراء الأسد » ، وجاءهم من جاءهم وقال لهم :
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
وهموا باستئصالكم ، تخويفا لهم وترهيبا ، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا باللّه ، واتكالا عليه .
وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ
، أي : كافينا كل ما أهمنا
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
المفوض إليه تدبير عباده ، والقائم بمصالحهم . [ 174 ]
فَانْقَلَبُوا
، أي : رجعوا
بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
. وجاء الخبر للمشركين ، أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم ، وندم من تخلف منهم ، فألقى اللّه الرعب في قلوبهم ، واستمروا راجعين إلى مكة . ورجع المؤمنون ، بنعمة من اللّه وفضل ، حيث منّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم ، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة . [ 175 ] فسبب إحسانهم بطاعة ربهم ، وتقواهم عن معصيته ، لهم أجر عظيم . ثم قال تعالى :
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
، أي : إن ترهيب من رهب من المشركين ، وقال : إنهم جمعوا لكم ، داع من دعاة الشيطان ، يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم ، أو ضعف .
فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
، أي : فلا تخافوا المشركين ، أولياء الشيطان ، فإن نواصيهم بيد اللّه ، لا يتصرفون إلا بقدره ، بل خافوا اللّه ، الذي ينصر أولياءه الخائفين إياه المستجيبين لدعوته . وفي هذه الآية ، وجوب الخوف من اللّه وحده ، وأنه من لوازم الإيمان ، فعلى قدر إيمان العبد ، يكون خوفه من اللّه ، والخوف المحمود : ما حجز العبد عن محارم اللّه . [ 176 ] كان النبي صلى اللّه عليه وسلم حريصا على الخلق ، مجتهدا في هدايتهم ، وكان يحزن إذا لم يهتدوا ، قال اللّه تعالى :
هامش
( 1 ) سقط من المطبوعة التي بين يدينا ، وهو موافق للسياق .