تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
والعقاب الخاص ، فهذا الرسول المعصوم يقول اللّه له ما يقول ، فكيف بغيره . أليس من أوجب الواجبات ، وأهم المهمات ، الاقتداء بأخلاقه الكريمة ، ومعاملة الناس بما كان يعاملهم به صلى اللّه عليه وسلم ، من اللين وحسن الخلق والتأليف ، امتثالا لأمر اللّه ، وجذبا لعباد اللّه لدين اللّه . ثم أمره تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه صلى اللّه عليه وسلم ، ويستغفر لهم في التقصير ، في حق اللّه ، فيجمع بين العفو والإحسان .
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
، أي : الأمور التي تحتاج إلى استشارة ، ونظر ، وفكر ، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ، ما لا يمكن حصره . منها : أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى اللّه . ومنها : أن فيها تسميحا لخواطرهم ، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث ، فإن من له الأمر على الناس - إذا جمع أهل الرأي والفضل ، وشاورهم في حادثة من الحوادث - اطمأنت إليه نفوسهم وأحبوه ، وعلموا أنه ليس يستبد عليهم ، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع ، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته ، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم . بخلاف من ليس كذلك ، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة ، ولا يطيعونه ، وإن أطاعوه ، فطاعة غير تامة . ومنها : أن في الاستشارة ، تنور الأفكار ، بسبب إعمالها فيما وضعت له ، فصار في ذلك زيادة للعقول . ومنها : ما تنتجه الاستشارة من الرأي المصيب ، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله ، وإن أخطأ ، أو لم يتم له مطلوب ، فليس بملوم . فإذا كان اللّه يقول لرسوله صلى اللّه عليه وسلم - وهو أكمل الناس عقلا ، وأغزرهم علما ، وأفضلهم رأيا - :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
، فكيف بغيره . ثم قال تعالى :
فَإِذا عَزَمْتَ
، أي : على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه ، إن كان يحتاج إلى استشارة ،
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
، أي : اعتمد على حول اللّه وقوته ، متبرئا من حولك وقوتك .
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
عليه ، اللاجئين إليه . [ 160 ] أي : إن يمددكم اللّه بنصره ومعونته
فَلا غالِبَ لَكُمْ
، فلو اجتمع عليكم من في أقطارها ، وما عندهم من العدد والعدد ، لأن اللّه لا مغالب له ، وقد قهر العباد ، وأخذ بنواصيهم ، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه ، ولا تسكن إلا بإذنه .
وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ
ويكلكم إلى أنفسكم
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ
، فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق . وقد ضمن ذلك الأمر بالاستنصار باللّه ، والاعتماد عليه ، والبراءة من الحول والقوة ، ولهذا قال :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
، وتقدم المعمول يؤذن بالحصر ، أي : توكلوا على اللّه ، لا غيره ، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده ، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود . والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه ، بل ضار . وفي هذه الآية ، الأمر بالتوكل على اللّه وحده ، وأنه بحسب إيمان العبد ، يكون توكله . [ 161 ] الغلول هو : الكتمان من الغنيمة ، والخيانة في كل ما يتولاه الإنسان ، وهو محرم إجماعا ، بل هو من الكبائر ، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص ، فأخبر تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل ، لأن الغلول - كما علمت - من أعظم الذنوب وشر العيوب . وقد صان اللّه تعالى أنبياءه ، عن كل ما يدنسهم ، ويقدح فيهم ، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقا ، وأطهرهم نفوسا ، وأزكاهم وأطيبهم ، ونزههم عن كل عيب ، وجعلهم محل رسالته ، ومعدن حكمته
اللَّهُ أَعْلَمُ