تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1025

مساهمون:

ص١٠٢٥
إيمانهم ، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة ، والعبادات الشاقة ، بخلاف من ادعى الإيمان ، وهو لم يصدقه بالجهاد والهجرة وغيرهما من العبادات ، وبين أنصارهم الأوس والخزرج الّذين آمنوا باللّه ورسوله طوعا ومحبة واختيارا وآووا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنعوه من الأحمر والأسود ، وتبوءوا دار الهجرة والإيمان حتى صارت موئلا ومرجعا يرجع إليه المؤمنون ، ويلجأ إليه المهاجرون ، ويسكن بحماه المسلمون إذ كانت البلدان كلها بلدان حرب وشرك وشر . فلم يزل أنصار الدين يأوون إلى الأنصار ، حتى انتشر الإسلام ، وقوي ، وجعل يزداد شيئا فشيئا ، حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان والقرآن ، والبلدان بالسيف والسنان . الّذين من جملة أوصافهم الجميلة أنهم
يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ
، وهذا لمحبتهم للّه ورسوله ، أحبوا أحبابه ، وأحبوا من نصر دينه .
وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا
، أي : لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم اللّه من فضله ، وخصهم به ، من الفضائل والمناقب ، الّتي هم أهلها ، وهذا يدل على سلامة صدورهم ، وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها . ويدل ذلك على أن المهاجرين أفضل من الأنصار ، لأن اللّه قدمهم بالذكر ، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، فدل على أن اللّه تعالى ، آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم ، ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة . وقوله :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
، أي : ومن أوصاف الأنصار الّتي فاقوا بها غيرهم ، وتميزوا بها عمن سواهم ، الإيثار ، وهو أكمل أنواع الجود ، وهو الإيثار بمحاب النفس ، من الأموال وغيرها ، وبذلها للغير مع الحاجة إليها ، بل مع الضرورة والخصاصة . وهذا لا يكون إلا من خلق زكي ، ومحبة للّه تعالى ، مقدمة على شهوات النفس ولذاتها ، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه ، حين آثر ضيفه بطعامه ، وطعام أهله وأولاده ، وباتوا جياعا . والإيثار عكسه الأثرة ، فالإيثار محمود ، والأثرة مذمومة ، لأنها من خصال البخل والشح . ومن رزق الإيثار ، فقد وقي شح نفسه
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
، ووقاية شح النفس ، يشمل وقايتها الشح ، في جميع ما أمر به ، فإنه إذا وقي العبد شحّ نفسه ، سمحت نفسه بأوامر اللّه ورسوله ، ففعلها طائعا منقادا ، منشرحا بها صدره ، وسمحت نفسه بترك ما نهى اللّه عنه ، وإن كان محبوبا للنفس ، تدعو إليه وتتطلع إليه . وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل اللّه ، وابتغاء مرضاته ، وبذلك يحصل الفلاح والفوز . بخلاف من لم يوق شح نفسه ، بل ابتلي بالشح بالخير ، الذي هو أصل الشر ومادته . فهذان الصنفان الفاضلان الزكيان ، هم الصحابة الكرام ، والأئمة الأعلام ، الّذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ، ما سبقوا به من بعدهم ، وأدركوا به من قبلهم ، فصاروا أعيان المؤمنين ، وسادات المسلمين ، وقادات المتقين . [ 10 ] ؟ ؟ ؟ من الفضل أن يسير خلفهم ، ويأتم بهداهم ، ولهذا ذكر اللّه من اللاحقين ، من هو مؤتم بهم ، فقال :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ
، أي : من بعد المهاجرين والأنصار
يَقُولُونَ
على وجه النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين ،
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
. وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين ، من السابقين ، من الصحابة ، ومن قبلهم ومن بعدهم ، وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض ، ويدعو بعضهم لبعض ، بسبب المشاركة في الإيمان ، المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين الّتي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض ، وأن يحب بعضهم بعضا . ولهذا ذكر اللّه في هذا الدعاء ، نفي الغل عن القلب ، الشامل لقليله وكثيره ، الذي إذا انتفى ثبت ضده ، وهو : المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح ، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين . فوصف اللّه من بعد الصحابة بالإيمان ، لأن قولهم :
سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
دليل على المشاركة فيه ، وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله ، وهم أهل السنة والجماعة ، الّذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم . ووصفهم بالإقرار بالذنوب . والاستغفار منها ، واستغفار بعضهم لبعض ، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد لإخوانهم المؤمنين لأن دعاءهم بذلك ، مستلزم لما ذكرنا ، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضا ، وأن يحب أحدهم لأخيه ما