تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1027

مساهمون:

ص١٠٢٧
الدنيا . [ 15 ] وعدم نصر من وعدهم بالمعاونة
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً
وهم كفار قريش الّذين زين لهم الشيطان أعمالهم ، وقال :
لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
. فغرتهم أنفسهم ، وغرهم من غرهم ، الّذين لم ينفعوهم ، ولم يدفعوا عنهم العذاب ، حتى أتوا « بدرا » بفخرهم وخيلائهم ، ظانين أنهم مدركون برسول اللّه والمؤمنين أمانيهم . فنصر اللّه رسوله والمؤمنين عليهم ، فقتلوا كبارهم وصناديدهم ، وأسروا من أسروا منهم ، وفرّ من فر . وبذلك
ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ
وعاقبة شركهم وبغيهم . هذا في الدنيا
وَلَهُمْ
في الآخرة
عَذابٌ أَلِيمٌ
. [ 16 ] ومثل هؤلاء المنافقين الّذين غروا إخوانهم من أهل الكتاب
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ
، أي : زين له الكفر وحسنه ودعاه إليه . فلما اغتر به وكفر ، وحصل له الشقاء ، لم ينفعه الشيطان ، الذي تولاه ودعاه إلى ما دعاه إليه ، بل تبرأ منه
قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
، أي : ليس لي قدرة على دفع العذاب عنك ، ولست بمغن عنك مثقال ذرة من الخير . [ 17 ]
فَكانَ عاقِبَتَهُما
، أي : الداعي الذي هو الشيطان ، والمدعو الذي هو الإنسان حين أطاعه
أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها
كما قال تعالى :
إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
.
وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ
الّذين اشتركوا في الظلم والكفر ، وإن اختلفوا في شدة العذاب وقوته . وهذا دأب الشيطان مع كلّ أوليائه ، فإنه يدعوهم ويدليهم بغرور ، إلى ما يضرهم ، حتى إذا وقعوا في الشباك ، وحاق بهم أسباب الهلاك ، تبرأ منهم ، وتخلى عنهم . واللوم كلّ اللوم على من أطاعه ، فإن اللّه قد حذر منه ، وأنذر ، وأخبر بمقاصده وغايته ، ونهايته ، فالمقدم على طاعته عاص على بصيرة ، لا عذر له . [ 18 ] يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ، ويقتضيه من لزوم تقواه ، سرا وعلانية ، في جميع الأحوال ، وأن يراعوا ما أمرهم اللّه به ، من أوامره وحدوده ، وينظروا ما لهم وما عليهم ، وما ذا حصلوا عليه من الأعمال الّتي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة . فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم ، وقبلة قلوبهم ، واهتموا للمقام بها ، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها ، وتصفيتها من القواطع والعوائق ، الّتي توقفهم عن السير ، أو تعوقهم أو تصرفهم . وإذا علموا أيضا أن اللّه خبير بما يعملون ، لا تخفى عليه أعمالهم ، ولا تضيع لديه ، ولا يهملها ، أوجب لهم الجد والاجتهاد . وهذه الآية الكريمة ، أصل في محاسبة العبد نفسه ، وأنه ينبغي له أن يتفقدها ، فإن رأى زللا ، تداركه بالإقلاع عنه ، والتوبة النصوح ، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه ، وإن رأى نفسه مقصرا ، في أمر من أوامر اللّه ، بذل جهده ، واستعان بربه في تتميمه ، وتكميله ، وإتقانه . ويقايس بين منن اللّه عليه وإحسانه ، وبين تقصيره ، فإن ذلك يوجب له الحياء لا محالة . والحرمان كلّ الحرمان ، أن يغفل العبد عن هذا الأمر ، ويشابه قوما نسوا اللّه ، وغفلوا عن ذكره ، والقيام بحقه ، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها ، فلم ينجحوا ، ولم يحصلوا على طائل . بل أنساهم اللّه مصالح أنفسهم ، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها ، فصار أمرهم فرطا ، فرجعوا بخسارة