تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1022

مساهمون:

ص١٠٢٢

تفسير سورة الحشر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هذه السورة تسمى « سورة بني النصير » وهم طائفة كبيرة من اليهود ، في جانب المدينة ، وقت بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهاجر إلى المدينة ، كفروا به في جملة من كفر من اليهود ، فهادن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم طوائف اليهود ، الّذين هم جيرانه في المدينة . فلما كان بعد وقعة بدر بستة أشهر أو نحوها ، خرج إليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين ، الّذين قتلهم عمرو بن أمية الضمري ، فقالوا : نفعل يا أبا القاسم ، اجلس هاهنا ، حتى نقضي حاجتك . فخلا بعضهم ببعض ، وسوّل لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم ، فتأمروا على قتله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : أيكم يأخذ هذه الرحى ، فيصعد ، فيلقيها على رأسه يشدخه بها ؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش : أنا ، فقال لهم سلام بن مشكم : لا تفعلوا ، فو اللّه ليخبرن بما هممتم به ، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه . وجاء الوحي على الفور إليه من ربه ، بما عموا به . فنهض مسرعا ، فتوجّه إلى المدينة ، ولحقه أصحابه ، فقالوا : نهضت ، ولم نشعر بك . فأخبرهم بما همت يهود به . وبعث إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها ، وقد أجلتكم عشرا ، فمن وجدت بعد ذلك ضربت عنقه » . فأقاموا أياما يتجهزون ، وأرسل إليهم المنافق عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول : ( أن لا تخرجوا من دياركم ، فإن معي ألفين ، يدخلون معكم حصنكم ، فيموتون دونكم ، وتنصركم قبيلة قريظة وحلفاؤكم من غطفان ) . وطمع رئيسهم حيي بن أخطب فيما قال له ، وبعث إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : إنا لا نخرج من ديارنا ، فاصنع ما بدا لك . فكبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، ونهضوا إليهم ، وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء . وأقاموا على حصونهم يرمون بالنبال والحجارة . واعتزلتهم قريظة ، وخانهم ابن أبي ، وحلفاؤهم من غطفان ، فحاصرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقطع نخلهم وحرّق ، فأرسلوا إليه : نحن نخرج من المدينة ، فأنزلهم على أن يخرجوا منها بنفوسهم وذراريهم ، وأن لهم ما حملت إبلهم إلا السلاح ، وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، الأموال والسلاح . وكانت بنو النضير خالصة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لنوائبه ، ومصالح المسلمين ، ولم يخمسها ، لأن اللّه فاءها عليه ، ولم يوجف المسلمون عليها ، بخيل ولا ركاب ، وأجلاهم إلى خيبر ، وفيهم حيي بن أخطب كبيرهم ، واستولى على أرضهم وديارهم ، وقبض السلاح ، فوجد من السلاح خمسين درعا ، وخمسين بيضة ، وثلاثمائة وأربعين سيفا . هذا حاصل قصتهم كما ذكرها أهل السير . [ 1 ] فافتتح تعالى هذه السورة بالإخبار أن جميع من في السماوات والأرض ، تسبح بحمد ربها ، وتنزهه عما لا يليق بجلاله ، وتعبده ، وتخضع لعظمته ، لأنه العزيز الذي قد قهر كلّ شيء ، فلا يمتنع عليه شيء ، ولا يستعصي عليه عسير . الحكيم في خلقه وأمره ، فلا يخلق شيئا عبثا ، ولا يشرع ما لا مصلحة فيه ، ولا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته . [ 2 ] ومن ذلك نصره لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، على الّذين كفروا من أهل الكتاب ، من بني النضير ، حين غدروا برسوله ، فأخرجهم من ديارهم وأوطانهم ، الّتي ألفوها وأحبوها . وكان إخراجهم منها أول حشر وجلاء ، كتبه اللّه عليهم على يد رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى خيبر ، ودلت الآية الكريمة أن لهم حشرا وجلاء غير هذا . فقد وقع حين أجلاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من خيبر ، ثمّ عمر رضى اللّه عنه أخرج بقيتهم منها .
ما ظَنَنْتُمْ
أيها المسلمون
أَنْ يَخْرُجُوا
من ديارهم ، لحصانتها ، ومنعتها ، وعزهم فيها .
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ
فأعجبوا بها ، وغرتهم ، وحسبوا أنها لا ينالون بها ، ولا يقدر عليها أحد ، وقدر اللّه وراء ذلك كله ، لا تغني عنه الحصون والقلاع ، ولا تجدي