تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1028

مساهمون:

ص١٠٢٨
الدارين ، وغبنوا غبنا ، لا يمكن تداركه ، ولا يجبر كسره ، لأنهم هم الفاسقون ، الّذين خرجوا عن طاعة ربهم ، وأوضعوا في معاصيه . فهل يستوي من حافظ على تقوى اللّه ، ونظر لما قدم لغده ، فاستحق جنات النعيم ، والعيش السليم - مع الّذين أنعم اللّه عليهم ، من النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين - ومن غفل عن ذكره ، ونسي حقوقه فشقي في الدنيا ، واستحق العذاب في الآخرة . فالأولون هم الفائزون ، والآخرون هم الخاسرون . ولما بين تعالى لعباده ما بين ، وأمر عباده ونهاهم في كتابه العزيز ، كان هذا موجبا لأن يبادروا إلى ما دعاهم إليه ، وحثهم عليه ، ولو كانوا في القسوة وصلابة القلوب كالجبال الرواسي . فإن هذا القرآن لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية اللّه ، أي : لكمال تأثيره في القلوب ، فإن مواعظ القرآن ، أعظم المواعظ على الإطلاق . وأوامره ونواهيه ، محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها ، وهي من أسهل شيء على النفوس ، وأيسرها على الأبدان ، خالية من التكلف لا تناقض فيها ، ولا اختلاف ، ولا صعوبة فيها ، ولا اعتساف ، تصلح لكل زمان ومكان ، وتليق لكل أحد . ثمّ أخبر تعالى أنه يضرب للناس الأمثال ، ويوضح لعباده الحلال والحرام ، لأجل أن يتفكروا في آياته ويتدبروها ، فإن التفكير فيها يفتح للعبد خزائن العلم ، ويبين له طرق الخير والشر ، ويحثه على مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ، ويزجره عن مساوئ الأخلاق ، فلا أنفع للعبد من التفكير في القرآن ، والتدبر لمعانيه . [ 22 ] هذه الآيات الكريمات ، قد اشتملت على كثير من أسماء اللّه الحسنى ، وأوصافه العلى ، عظيمة الشأن ، وبديعة البرهان . فأخبر أنه
اللَّهُ
المألوه المعبود ،
الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
، وذلك لكماله العظيم ، وإحسانه الشامل ، وتدبيره العام . وكلّ إله غيره ، فإنه باطل ، لا يستحق من العبادة مثقال ذرة ، لأنه فقير عاجز ناقص ، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا . ثمّ وصف نفسه بعموم العلم الشامل ، لما غاب عن الخلق ، وما يشاهدونه ، وبعموم رحمته الّتي وسعت كلّ شيء ، ووصلت إلى كلّ حي . ثمّ كرر ذكر عموم إلهيته وانفراده بها ، وأنه المالك لجميع الممالك ، فالعالم العلوي والسفلي وأهله ، الجميع مماليك للّه ، فقراء مدبرون .
الْقُدُّوسُ السَّلامُ
، أي : المقدس السالم من كلّ عيب ونقص ، المعظم المجد ؛ لأن القدوس ، يدل على التنزيه من كلّ نقص ، والتعظيم للّه في أوصافه وجلاله .
الْمُؤْمِنُ
، أي : المصدق لرسله وأنبيائه ، بما جاءوا به ، بالآيات البينات ، والبراهين القاطعات ، والحجج الواضحات .
الْعَزِيزُ
الذي لا يغالب ولا يمانع ، بل قد قهر كلّ شيء ، وخضع له كلّ شيء .
الْجَبَّارُ
الّذي قهر جميع العباد ، وأذعن له سائر الخلق ، الذي يجبر الكسير ، ويغني الفقير .
الْمُتَكَبِّرُ
الذي له الكبرياء والعظمة ، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور .
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
، وهذا تنزيه عام ، عن كل ما وصفه به ، من أشرك به وعانده . [ 24 ]
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ
لجميع المخلوقات
الْبارِئُ
للمبروءات
الْمُصَوِّرُ
للمصورات ، وهذه الأسماء متعلقة بالخلق والتدبير والتقدير ، وأن ذلك كله ، قد انفرد اللّه به ، لم يشاركه فيه مشارك .
لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
، أي : له الأسماء الكثيرة جدا ، الّتي لا يحصيها ، ولا يعلمها أحد إلّا