تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1023

مساهمون:

ص١٠٢٣
فيه القوة والدفاع . ولهذا قال :
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
، أي : من الأمر والباب ، الذي لم يخطر ببالهم ، أن يؤتوا منه . وهو أنه تعالى
قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
وهو الخوف الشديد ، الذي هو جند اللّه الأكبر ، الذي لا ينفع معه عدد ولا عدة ، ولا قوة ولا شدة . فالأمر الذي يحتسبونه ويظنون أن الخلل يدخل عليهم منه إن دخل ، هو الحصون الّتي تحصنوا بها ، واطمأنت نفوسهم إليها ، ومن وثق بغير اللّه فهو مخذول ، ومن ركن إلى غير اللّه ، كان وبالا عليه . فأتاهم أمر سماوي ، نزل على قلوبهم ، الّتي هي محل الثبات والصبر ، أو الخور والضعف ، فأزال قوتها وشدتها ، وأورثها ضعفا وخورا وجبنا ، لا حيلة لهم في دفعه ، فصار ذلك عونا عليهم ، ولهذا قال :
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ
، وذلك أنهم صالحوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أن لهم ما حملت الإبل . فنقضوا لذلك كثيرا من سقوفهم ، الّتي استحسنوها ، وسلطوا المؤمنين ، بسبب بغيهم على إخراب ديارهم ، وهدم حصونهم ، فهم الّذين جنوا على أنفسهم ، وصاروا أكبر عون عليها .
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
، أي : البصائر النافذة ، والعقول الكاملة ، فإن في هذا معتبرا يعرف به صنع اللّه في المعاندين للحق ، المتبعين لأهوائهم ، الّذين لم تنفعهم عزتهم ، ولا منعتهم قوتهم ، ولا حصنتهم حصونهم ، حين جاءهم أمر اللّه ، فوصل إليهم النكال بذنوبهم ، والعبرة بعموم المعنى ، لا بخصوص السبب . فإن هذه الآية ، تدل على الأمر بالاعتبار ، وهو اعتبار النظير بنظيره ، وقياس الشيء على ما يشابهه ، والتفكر فيما تضمنته الأحكام ، من المعاني والحكم ، الّتي هي محل العقل والفكرة ، وبذلك يكمل العقل ، وتتنور البصيرة ، ويزداد الإيمان ، ويحصل الفهم الحقيقي . [ 3 ] ثمّ أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لم يصبهم جميع ما يستحقون من العقوبة ، وأن اللّه خفف عنهم .
وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ
الذي أصابهم وقضاه عليهم ، بقدره الذي لا يبدل ولا يغير ، لكان لهم شأن آخر من عذاب الدنيا ونكالها . ولكنهم - وإن فاتهم العذاب الشديد الدنيوي - فإن لهم في الآخرة عذاب النار ، الذي لا يمكن أن يعلم شدته إلا اللّه . فلا يخطر ببالهم أن عقوبتهم انقضت وفرغت ولم يبق لهم منها بقية ، فما أعدّ اللّه لهم من العذاب في الآخرة أعظم وأطمّ . [ 4 ]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وعادوهما وحاربوهما ، وسعوا في معصيتهما ، وهذه سنته وعادته فيمن شاقه
وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
. [ 5 ] ولما لام بنو النضير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين في قطع النخيل والأشجار ، وزعموا أن ذلك من الفساد ، وتوصلوا بذلك إلى الطعن بالمسلمين ، أخبر تعالى أن قطع النخيل إن قطعوه أو إبقاءهم إياه ، إن أبقوه
فَبِإِذْنِ اللَّهِ
وأمره
وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ
حيث سلطكم على قطع نخلهم وتحريقها ، ليكون ذلك نكالا لهم ، وخزيا في الدنيا ، وذلا يعرف به عجزهم التام ، الذي ما قدروا على استنقاذ نخلهم الذي هو مادة قوتهم . واللينة : تشمل النخيل كله ، على أصح الاحتمالات وأولاها ، فهذه حال بني النضير ، وكيف عاقبهم اللّه في الدنيا . [ 6 ] ثمّ ذكر من انتقلت إليه أموالهم وأمتعتهم ، فقال :
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ
، أي : من أهل هذه
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 1023 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي